بدأت العاصمة الإيرانية طهران، اليوم الجمعة، إجراءات أمنية مشددة واستنفاراً عسكرياً واسعاً لاستقبال الوفود الأجنبية المشاركة في مراسم تشييع علي خامنئي، المرشد الأعلى الراحل للجمهورية الإسلامية. وتأتي هذه الخطوة إيذاناً بانطلاق جنازة رسمية وشعبية مهيبة من المقرر أن تمتد لستة أيام متواصلة، وسط إغلاق كامل للمجال الجوي فوق العاصمة وعدد من المدن الرئيسية، وتحذيرات صارمة من أي استهداف محتمل خلال فترة التشييع.
وكان جثمان خامنئي قد وصل إلى المصلى الكبير في طهران تمهيداً لإقامة مراسم الجنازة، مع خطط لتسيير مسيرات جماهيرية حاشدة على مدار الأسبوع في مدينتي قم ومشهد، بالإضافة إلى مراسم عزاء رمزية في العراق. ويأتي هذا الحدث بعد مقتل خامنئي في ضربات جوية أمريكية وإسرائيلية استهدفت طهران في 28 فبراير الماضي، في بداية الحرب بين الجانبين. وتسعى السلطات الإيرانية إلى تحويل هذه الجنازة إلى استعراض سياسي وشعبي ضخم يؤكد تماسك النظام واستمرار نفوذه الإقليمي رغم الضربة القاسية التي تلقاها.
وفود دولية تشارك في تشييع علي خامنئي وسط غياب غربي
أعلنت اللجنة الوطنية المنظمة للجنازة عن وصول وفود رسمية من نحو 30 دولة للمشاركة في مراسم العزاء. وتضم قائمة المشاركين رؤساء ومسؤولين رفيعي المستوى من العراق، وباكستان، وأوزبكستان، وطاجيكستان، وتركمانستان، وأرمينيا، وبيلاروس، والصين، وناميبيا، إلى جانب وفود دينية من أفغانستان وتايلاند. وفي المقابل، أكدت طهران أنها لم توجه أي دعوات رسمية إلى الولايات المتحدة أو الدول الأوروبية لحضور المراسم. وعلى هامش الاستعدادات، أجرى الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف سلسلة لقاءات مع الضيوف ركزت على العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية الراهنة.
خارطة طريق الجنازة الممتدة حتى الخميس المقبل
وفقاً للجدول الزمني المعلن، تبدأ الجنازة الشعبية يوم السبت في مصلى الإمام الخميني الكبير بطهران، حيث سيوارى الجثمان مؤقتاً قبل انطلاق موكب ضخم في شوارع العاصمة يوم الاثنين. وتنتقل المراسم يوم الثلاثاء إلى مدينة قم، ثم يُنقل الجثمان يوم الأربعاء إلى مدينتي النجف وكربلاء في العراق، استجابة لطلب شخصيات سياسية ودينية عراقية بارزة. وفي الختام، سيوارى الثرى يوم الخميس في مدينة مشهد، مسقط رأس خامنئي، داخل مرقد الإمام الرضا. وسيشهد التشييع أيضاً دفن عدد من أفراد عائلته الذين قتلوا معه في الهجوم نفسه، بمن فيهم ابنته وزوجها وحفيدته، بينما يغيب نجله وخليفته مجتبى خامنئي بسبب إصابته بجروح خطيرة في الهجوم ذاته.
السياق التاريخي لرحيل القيادة الإيرانية
يعيد هذا الحدث الاستثنائي إلى الأذهان الجنازة التاريخية لمؤسس الجمهورية الإسلامية، آية الله روح الله الخميني، عام 1989، والتي شاركت فيها حشود مليونية غير مسبوقة. ومنذ ذلك الحين، تولى علي خامنئي قيادة البلاد لثلاثة عقود رسم خلالها السياسة الخارجية والعسكرية لإيران، وعزز شبكة النفوذ الإقليمي المعروفة بـ “محور المقاومة”. ويأتي رحيله اليوم في لحظة مفصلية حرجة تشهد مواجهة مباشرة ومفتوحة مع إسرائيل والولايات المتحدة بقيادة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مما يضع النظام الإيراني أمام اختبار حقيقي لضمان انتقال سلس للسلطة والحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية في ظل الأزمات الاقتصادية والعقوبات المستمرة.
تداعيات إقليمية وتحذيرات من تصعيد عسكري
تتجاوز أهمية هذا الحدث الحدود الإيرانية لتلقي بظلالها على المشهد السياسي والأمني في الشرق الأوسط بأكمله. وفي هذا السياق، حذر قائد مقر “خاتم الأنبياء” المركزي، اللواء علي عبد اللهي، الولايات المتحدة وإسرائيل من استغلال مراسم التشييع لشن أي هجمات جديدة، مؤكداً أن أي اعتداء سيقابل برد قاسٍ وفوري. وجاء هذا التحذير رداً على تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، الذي اعتبر فيها المرشد الجديد مجتبى خامنئي “هدفاً مشروعاً”، وهو ما اعتبرته طهران تصعيداً خطيراً يهدد بتفجير الأوضاع الإقليمية بشكل غير مسبوق.


