انطلقت اليوم (الاثنين) في العاصمة الفرنسية باريس، وقائع محاكمة طارق رمضان، حفيد حسن البنا (مؤسس جماعة الإخوان المسلمين)، أمام محكمة الجنايات الخاصة. ويواجه المفكر السويسري البالغ من العمر 63 عاماً تهماً ثقيلة تتعلق باغتصاب ثلاث نساء في فرنسا خلال الفترة الممتدة بين عامي 2009 و2016. وتكتسب هذه المحاكمة أهمية استثنائية وتغطية إعلامية واسعة، نظراً لمكانة المتهم السابقة كأحد أبرز الوجوه الإسلامية في الغرب، وتزامنها مع تحولات كبرى في التعاطي القضائي مع قضايا العنف الجنسي في أوروبا.
مسار التحول: من الرمزية الفكرية إلى الملاحقة القضائية
لفهم عمق الصدمة التي أحدثتها هذه القضية، لا بد من العودة إلى السياق التاريخي والمكانة التي كان يحتلها المتهم قبل تفجر الفضائح في خضم موجة "مي تو" (MeToo) عام 2017. فقد كان طارق رمضان يُعد لسنوات طويلة الصوت الأبرز لما يُعرف بـ "الإسلام الأوروبي"، وشغل منصب أستاذ الدراسات الإسلامية المعاصرة في جامعة أكسفورد العريقة. كان يُنظر إليه في الأوساط الغربية والإسلامية على حد سواء كجسر ثقافي يربط بين القيم الإسلامية والحداثة الغربية، متمتعاً بشعبية جارفة بين الشباب المسلم في أوروبا.
إلا أن هذه الصورة اللامعة انهارت تدريجياً، حيث أدت الاتهامات المتتالية إلى إجازته من منصبه الأكاديمي وتقاعده، ليتحول من منظر فكري يملأ القاعات بالمحاضرات إلى متهم جنائي تلاحقه قضايا متعددة تهدد بإنهاء ما تبقى من إرثه العام.
الشهادات والضحايا في ملف محاكمة طارق رمضان
تستند محاكمة طارق رمضان الحالية إلى شهادات ثلاث نساء كسرن حاجز الصمت. الضحية الأولى هي هندة عياري (41 عاماً)، السلفية السابقة التي تحولت إلى ناشطة نسوية، والتي اتهمت رمضان باغتصابها في فندق بشرق باريس عام 2012. أما المشتكية الثانية، الملقبة بـ "كريستيل"، فقد روت تفاصيل مروعة عن تعرضها للاغتصاب والتعنيف في فندق بمدينة ليون عام 2009. وقد انضمت لاحقاً مشتكية ثالثة لملف التحقيق تتهمه بحادثة مماثلة وقعت في عام 2016.
وفي مواجهة هذه التهم، شهدت استراتيجية الدفاع تحولات دراماتيكية؛ فبعد النفي القاطع لأي علاقة، عاد رمضان ليعترف بوجود علاقات جنسية لكنه تمسك بأنها كانت "بالتراضي" وضمن إطار علاقات وصفها بـ "الهيمنة والخضوع". ويستند فريق الدفاع حالياً بشكل كبير على الوضع الصحي للمتهم، حيث يعاني من مرض التصلب المتعدد، محذرين من تدهور وضعه الجسدي خلال المحاكمة التي قد تفضي إلى حكم بالسجن لمدة 20 عاماً.
تأثير الإدانة السويسرية وتداعيات القضية
لا يمكن عزل مجريات المحاكمة في باريس عن السياق القانوني الدولي المحيط بالمتهم. فقد تلقى رمضان ضربة قضائية موجعة في سويسرا، حيث أدانته دائرة الاستئناف الجنائية في جنيف مؤخراً بتهمة الاغتصاب والإكراه الجنسي في قضية تعود لعام 2008، وقضت بسجنه ثلاث سنوات (منها سنة نافذة). هذا الحكم السويسري يلقي بظلاله الكثيفة على المحاكمة الفرنسية، حيث يضعف سردية "المؤامرة السياسية" التي طالما روج لها أنصاره، ويعزز موقف الضحايا والادعاء العام في باريس.
وتترقب الأوساط الحقوقية والسياسية نتائج هذه المحاكمة التي ستستمر لعدة أسابيع، حيث ستشكل حكماً فاصلاً ليس فقط في مصير طارق رمضان الشخصي، بل في كيفية تعامل المؤسسات القضائية الأوروبية مع الشخصيات العامة ذات النفوذ العابر للحدود، مما يؤكد أن الحصانة الفكرية أو الشهرة لا تحمي من المساءلة القانونية في قضايا الحقوق الفردية والعنف ضد النساء.


