في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، تبرز قضية استهداف منشآت الطاقة الإيرانية كواحدة من أكثر الملفات حساسية وخطورة. فقد أفادت تقارير حديثة بأن الإدارة الأمريكية، وتحديداً في أروقة صنع القرار المقربة من دونالد ترمب، تدرس بجدية خيارات عسكرية تشمل ضرب البنية التحتية للطاقة والجسور في إيران. وتأتي هذه التحركات وسط تحذيرات إيرانية ودولية شديدة اللهجة من احتمالية حدوث تسرب إشعاعي كارثي إذا ما طالت هذه الضربات مواقع قريبة من المفاعلات النووية، مما قد يؤدي إلى إضعاف برامج طهران الصاروخية والنووية، ولكنه يفتح الباب أمام أزمات بيئية وإنسانية لا يمكن التنبؤ بمداها.
ونقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» عن مسؤولين أمريكيين تأكيدهم أن كبار المساعدين قدموا مبررات استراتيجية تعتبر محطات توليد الكهرباء والجسور أهدافاً عسكرية مشروعة. ويرى هؤلاء أن تدمير هذه البنى التحتية من شأنه أن يعرقل بشكل مباشر تقدم البرامج العسكرية الإيرانية. في المقابل، سارع وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، إلى التعبير عن رفض بلاده القاطع لأي هجمات تطال أو تقترب من المواقع الحساسة. وأكد في رسالة رسمية موجهة إلى الأمم المتحدة أن هذه التهديدات تمثل انتهاكاً صارخاً لقرارات مجلس الأمن الدولي وقوانين الوكالة الدولية للطاقة الذرية، محذراً من أن تعريض السكان المدنيين لهذا الخطر يعد سابقة خطيرة.
السياق التاريخي للتوترات حول استهداف منشآت الطاقة الإيرانية
لم تكن فكرة توجيه ضربات عسكرية للداخل الإيراني وليدة اللحظة، بل هي امتداد لعقود من الشد والجذب بين واشنطن وطهران. منذ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي في عام 2018، تبنت الإدارة الأمريكية سياسة الضغوط القصوى التي استهدفت خنق الاقتصاد الإيراني عبر عقوبات قاسية. ومع استمرار إيران في تطوير برامجها، تصاعدت التلويحات باستخدام الخيار العسكري. تاريخياً، تعتبر البنية التحتية للطاقة في أي نزاع هدفاً استراتيجياً لشل قدرة الخصم، إلا أن الحالة الإيرانية تتسم بتعقيد فريد نظراً لتداخل المنشآت المدنية والعسكرية والنووية في مناطق جغرافية متقاربة، مما يجعل أي خطأ في الحسابات بمثابة شرارة لكارثة كبرى.
التداعيات الإقليمية والدولية ومخاطر التلوث البيئي
تكتسب هذه التطورات أهمية قصوى بالنظر إلى التأثير المتوقع لأي تصعيد عسكري على المستويات كافة. محلياً، سيؤدي ضرب محطات الطاقة إلى شلل في الحياة اليومية والاقتصاد الإيراني. أما إقليمياً ودولياً، فإن الخطر الأكبر يكمن في التحذيرات التي أطلقها عراقجي حول احتمالية حدوث تلوث إشعاعي في مياه الخليج العربي والغلاف الجوي. إن أي تسرب إشعاعي لن يعترف بالحدود الجغرافية، بل سيمتد ليدمر الأنظمة البيئية والموارد الطبيعية، مما يهدد الأمن المائي والغذائي لدول الجوار ويعطل حركة الملاحة في أحد أهم الممرات المائية لإمدادات الطاقة العالمية.
الموقف الروسي والتحذيرات من المساس بمحطة بوشهر
على الصعيد الدولي، دخلت روسيا على خط الأزمة بقوة، حيث صرحت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، بأن أي ضربات تستهدف المنشآت النووية في إيران تشكل وصمة عار لا تُمحى في سجل الجهات المنفذة. وشددت على أن هذه المنشآت تخضع لضمانات ورقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وجاءت هذه التصريحات الروسية الحازمة عقب تقارير عن ضربات طالت محطة بوشهر للطاقة النووية، وهي المحطة التي تديرها شركات روسية. وبحسب السلطات الإيرانية، فقد أسفرت إحدى الهجمات عن مقتل شخص وإحداث أضرار مادية في المنشأة، مما ينذر بانزلاق الصراع إلى مستويات قد تجبر قوى دولية أخرى على التدخل المباشر.


