تُعد زيارة وزير الخارجية السوري في مصر حدثاً دبلوماسياً بارزاً يعكس تحولاً استراتيجياً في مسار العلاقات بين القاهرة ودمشق. في أول زيارة رسمية له على رأس وفد دبلوماسي رفيع المستوى، أجرى وزير الخارجية والمغتربين السوري أسعد الشيباني مباحثات موسعة اليوم الأحد مع نظيره المصري بدر عبد العاطي. تركزت هذه المباحثات حول سبل تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين الشقيقين، وفتح صفحة جديدة من التعاون المشترك في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية.
السياق التاريخي للعلاقات السورية المصرية ومسار عودة الدفء
تاريخياً، شكلت العلاقات بين دمشق والقاهرة محوراً أساسياً في استقرار منطقة الشرق الأوسط. وبعد سنوات من الجمود الدبلوماسي الذي طال أمده منذ عام 2011، بدأت ملامح التقارب تلوح في الأفق مع التغيرات السياسية الأخيرة. وتأتي هذه الزيارة تتويجاً لسلسلة من التحركات الدبلوماسية المتسارعة؛ فقد سبقها بأيام قليلة لقاء تاريخي جمع الرئيس السوري أحمد الشرع بنظيره المصري عبد الفتاح السيسي على هامش القمة التشاورية العربية الأوروبية في قبرص. كما تعود جذور هذا التقارب الحديث إلى أول اتصال رسمي بين وزيري خارجية البلدين في 31 ديسمبر 2024، تلاه اللقاء الأول بين رئيسي البلدين خلال القمة العربية الطارئة بالقاهرة في مارس 2025.
أبعاد التعاون الاقتصادي خلال تواجد وزير الخارجية السوري في مصر
لم تقتصر المباحثات على الجانب السياسي فحسب، بل أخذ الملف الاقتصادي حيزاً كبيراً من الاهتمام. فقد عقد الوزير الشيباني، يرافقه وزير الاقتصاد والصناعة الدكتور نضال الشعار، لقاءات هامة مع وزير الصناعة المصري المهندس خالد هاشم، ورئيس الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة الدكتور محمد عوض، بحسب وزارة الاقتصاد السورية. وتناولت هذه اللقاءات سبل تطوير التعاون الاقتصادي والصناعي والاستثماري، مع التركيز على توسيع الشراكات الثنائية وفتح آفاق جديدة تدعم التكامل الاقتصادي.
وفي خطوة عملية لتعزيز هذا التوجه، تم توقيع مذكرتي تفاهم استراتيجيتين؛ الأولى بين الاتحاد السوري لغرف التجارة والاتحاد المصري لغرف التجارة، والثانية مع الاتحاد الأفريقي لغرف التجارة. جرت مراسم التوقيع بحضور شخصيات بارزة منها وزير المالية السوري يسر برنية، ورئيس اتحاد غرف التجارة المصرية أحمد الوكيل. هذا الحراك الاقتصادي يبني على الزيارة الناجحة التي قام بها وفد تجاري مصري إلى دمشق مطلع عام 2026، والتي كانت الأولى من نوعها منذ 15 عاماً، وشكلت نقطة انطلاق حقيقية لتعزيز مسارات التكامل.
الانعكاسات الإقليمية والدولية للتقارب بين القاهرة ودمشق
تحمل هذه الخطوات الدبلوماسية أهمية بالغة تتجاوز الحدود الثنائية لتؤثر على المشهد الإقليمي والدولي. فعلى الصعيد المحلي، تسهم هذه الشراكات في تسريع وتيرة إعادة الإعمار في سورية، وهو ما أكد عليه الوزير المصري بدر عبد العاطي خلال اتصالاته، مشدداً على حرص القاهرة على المساهمة الفاعلة في دعم جهود الدولة السورية التنموية والبناء على مخرجات زيارة الوفد الاقتصادي المصري.
أما إقليمياً، فإن التنسيق المصري السوري يعزز من العمل العربي المشترك ويساهم في إرساء دعائم الاستقرار في المنطقة العربية التي تشهد تحديات غير مسبوقة. وقد تطرقت المباحثات، وفقاً لتصريحات المتحدث باسم الخارجية المصرية تميم خلاف، إلى تطورات الأوضاع الإقليمية، مما يؤكد أن التوافق بين البلدين سيشكل حجر زاوية في مواجهة الأزمات الإقليمية، ويدعم مسارات الحلول السياسية، مما ينعكس إيجاباً على الأمن القومي العربي والمصالح المشتركة للشعبين الشقيقين.


