في خطوة استراتيجية تعكس استشعار دمشق لخطورة المرحلة الراهنة، عززت القوات المسلحة انتشارها العسكري بشكل غير مسبوق على طول الحدود السورية مع كل من لبنان والعراق. وتأتي هذه التحركات في وقت تشهد فيه المنطقة غليانًا سياسياً وعسكرياً، لا سيما مع تصاعد حدة المواجهات بين إسرائيل وحزب الله، والمخاوف من انزلاق الإقليم نحو حرب شاملة.
ووفقاً لما نقلته تقارير إعلامية ووكالة رويترز عن مصادر عسكرية وأمنية، فقد شملت هذه التعزيزات استقدام وحدات صاروخية متطورة وآلاف الجنود لضبط المنافذ الحدودية. وأوضحت هيئة العمليات في الجيش السوري أن الهدف الأساسي هو تحصين المناطق الحدودية ضد أي خروقات أمنية، مع التركيز الصارم على مكافحة عمليات التهريب والتسلل، سواء للأفراد أو شحنات الأسلحة والمخدرات، فضلاً عن رصد دقيق لتحركات الفصائل المسلحة في تلك المناطق الوعرة.
تاريخ من التداخل الأمني والجغرافي
لا يمكن قراءة هذه التحركات بمعزل عن السياق التاريخي والجغرافي المعقد الذي يحكم الحدود السورية. فلطالما شكلت هذه المناطق، وخاصة الحدود الطويلة مع العراق والمناطق الجبلية المتداخلة مع لبنان، خاصرة رخوة أمنياً استغلتها الجماعات المسلحة وشبكات التهريب لعقود. خلال سنوات الحرب السورية، كانت هذه الممرات شريان حياة لتنظيمات مثل "داعش" وغيرها من الفصائل للتنقل ونقل العتاد، مما جعل ضبطها اليوم أولوية قصوى للأمن القومي السوري لاستعادة سيادة الدولة الكاملة ومنع تكرار سيناريوهات الفوضى السابقة.
وتشير التفاصيل الميدانية إلى أن التعزيزات لم تكن عشوائية، بل شملت فرقاً نخبوية مثل الفرقتين 52 و84، مدعومة بوحدات مشاة ومركبات مدرعة، بالإضافة إلى نشر راجمات صواريخ قصيرة المدى من طراز "غراد" و"كاتيوشا". وقد بدأت هذه العملية بشكل هادئ منذ فبراير الماضي، إلا أنها اكتسبت زخماً وتسارعاً ملحوظاً في الأيام القليلة الماضية استجابة للمتغيرات الإقليمية.
الأبعاد الاستراتيجية لتأمين الحدود السورية إقليمياً
يحمل هذا الانتشار العسكري دلالات تتجاوز البعد الأمني المحلي ليمس التوازنات الإقليمية والدولية. فتأمين دمشق لحدودها يرسل رسائل متعددة الاتجاهات؛ أولها التأكيد على الحياد الدفاعي، حيث نفت المصادر وجود أي نوايا هجومية، مؤكدة أن الإجراءات وقائية بحتة. وثانياً، يمثل هذا التحرك رسالة للأطراف الدولية، وتحديداً الولايات المتحدة وإسرائيل، بأن الدولة السورية ممسكة بزمام المبادرة على أراضيها ولن تسمح باستخدام حدودها كمنصة لتهديد استقرار دول الجوار أو كساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
وفي الشق اللبناني، أكد مسؤول أمني أن دمشق أخطرت بيروت بأن نشر قاذفات الصواريخ في الجبال الشرقية هو إجراء سيادي دفاعي، يهدف لقطع الطريق أمام أي محاولات لاستخدام الأراضي السورية في عمليات قد تجر البلاد إلى مواجهة غير محسوبة، وهو ما يعكس رغبة سورية واضحة في النأي بالنفس عن الانخراط المباشر في الصراع الدائر حالياً، مع الاحتفاظ بحق الرد على أي تهديد مباشر يمس أمنها الوطني.


