في تطور سياسي وعسكري لافت ومفاجئ، شهدت العاصمة الليبية طرابلس مباحثات مكثفة بين الجيش السوداني وسلطات غرب ليبيا المتمثلة في حكومة الوحدة الوطنية. هذا التقارب يفتح باباً واسعاً للتساؤلات حول إمكانية تبلور تحالف عسكري سوداني ليبي لمواجهة التحديات الأمنية المشتركة، وعلى رأسها تداعيات الحرب الدائرة في السودان. يأتي هذا التنسيق في توقيت بالغ الحساسية، حيث يسعى الجيش السوداني لتوسيع شبكة تحالفاته الإقليمية لتضييق الخناق على قوات الدعم السريع، في ظل مشهد ليبي معقد ومنقسم بين شرق البلاد وغربها.
الجذور التاريخية لأمن الحدود المشتركة
لفهم طبيعة هذا التقارب، يجب النظر إلى السياق العام والخلفية التاريخية للعلاقات بين البلدين. لطالما شكلت الحدود السودانية الليبية الممتدة لمئات الكيلومترات في مناطق صحراوية وعرة، تحدياً أمنياً كبيراً لكلا الدولتين. فمنذ سقوط نظام معمر القذافي في عام 2011، تحولت هذه الحدود المفتوحة إلى ممرات نشطة لتهريب السلاح، وتجارة البشر، وحركة المرتزقة والمجموعات المسلحة. وقد عانى السودان، وتحديداً إقليم دارفور، من ارتدادات الفوضى الأمنية في ليبيا، بينما سعت الحكومات المتعاقبة في الخرطوم وطرابلس إلى إيجاد آليات مشتركة لضبط الحدود، إلا أن الانقسامات الداخلية في كلا البلدين حالت دون تحقيق استقرار دائم.
أبعاد تشكيل تحالف عسكري سوداني ليبي في الوقت الراهن
في هذا السياق، جاء اللقاء البارز الذي جمع بين مدير الاستخبارات العسكرية السودانية، الفريق محمد علي صبير، ورئيس أركان قوات حكومة الوحدة الوطنية الليبية، الفريق أول صلاح النمروش. يعكس هذا الاجتماع توجهاً استراتيجياً واضحاً نحو بناء شراكة أمنية أكثر عمقاً، تتجاوز الأطر الدبلوماسية التقليدية لتشمل تبادل المعلومات الاستخباراتية والتنسيق الميداني. يهدف هذا التحرك بشكل أساسي إلى قطع خطوط الإمداد اللوجستي التي قد تستفيد منها المجموعات المسلحة المتمردة عبر الصحراء.
التأثيرات المتوقعة على المستويات المحلية والإقليمية والدولية
يحمل هذا التنسيق أهمية بالغة وتأثيرات متوقعة على عدة صعد. محلياً، يسعى الجيش السوداني من خلال هذا التقارب إلى تجفيف منابع الدعم العسكري واللوجستي لقوات الدعم السريع، خاصة مع تزايد التقارير والاتهامات الموجهة لأطراف في شرق ليبيا بتقديم تسهيلات عسكرية لتلك القوات. إقليمياً، يضيف هذا التحالف بعداً جديداً للأزمة؛ فهو يعزز موقف حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس كفاعل إقليمي قادر على التأثير في محيطه، ويخلق توازناً جديداً في مواجهة القوى الداعمة للتمرد في السودان. كما أن ضبط الحدود سيساهم في الحد من تمدد حالة عدم الاستقرار إلى دول الساحل الأفريقي المجاورة التي تعاني بدورها من هشاشة أمنية.
على الصعيد الدولي، يراقب المجتمع الدولي هذه التحركات باهتمام بالغ. فاستمرار تدفق السلاح والمرتزقة عبر الحدود يهدد بتوسيع رقعة الصراع وتحويله إلى حرب إقليمية شاملة، مما يفاقم الأزمة الإنسانية ويزيد من موجات النزوح واللجوء نحو أوروبا عبر السواحل الليبية. بالتالي، فإن أي جهود تهدف إلى ضبط الحدود وتعزيز سلطة الدولة في كلا البلدين قد تلقى دعماً أو على الأقل تفهماً من القوى الدولية المعنية باستقرار المنطقة ومكافحة الإرهاب والهجرة غير الشرعية.


