في مشهد يختزل تعقيدات الأزمة الراهنة وتداعياتها السياسية والإنسانية، انطلقت أولى جلسات امتحانات الشهادة السودانية في المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش السوداني. هذه الخطوة تبدو أقرب إلى اختبار حقيقي لقدرة الدولة على استعادة وظائفها الأساسية وتقديم الخدمات للمواطنين، أكثر من كونها مجرد استحقاق تعليمي اعتيادي. وبينما توجه أكثر من نصف مليون طالب وطالبة إلى مقاعد الامتحان داخل السودان وخارجه، تكشف المؤشرات الاقتصادية والإنسانية عن واقع شديد القتامة، حيث تضاعفت معدلات الفقر لتصل إلى 70 في المائة، مع اتساع رقعة الجوع والنزوح، مما يعكس حجم التكلفة الباهظة التي دفعتها البلاد منذ اندلاع النزاع المسلح.
السياق التاريخي: كيف أثرت الحرب على امتحانات الشهادة السودانية؟
منذ منتصف أبريل 2023، دخل السودان في دوامة من العنف والاشتباكات المسلحة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، مما أدى إلى شلل شبه تام في كافة قطاعات الدولة، وعلى رأسها قطاع التعليم. تاريخياً، كان النظام التعليمي في السودان يعاني من تحديات هيكلية، إلا أن اندلاع الحرب أدى إلى إغلاق آلاف المدارس والجامعات، وتحول العديد منها إلى ثكنات عسكرية أو مراكز لإيواء النازحين الفارين من مناطق النزاع. هذا التوقف المفاجئ هدد بضياع سنوات دراسية كاملة على ملايين الطلاب، وجعل من تنظيم امتحانات الشهادة السودانية تحدياً لوجستياً وأمنياً غير مسبوق في تاريخ البلاد الحديث.
دلالات سياسية ومحاولات لاستعادة هيبة الدولة
حملت انطلاقة الامتحانات هذا العام دلالات سياسية واضحة، إذ حرصت السلطات السودانية على تقديمها بوصفها مؤشراً قوياً على استعادة الحد الأدنى من انتظام مؤسسات الدولة في المناطق التي يسيطر عليها الجيش. وقد شارك في هذه الاختبارات نحو 564 ألف طالب وطالبة، تم توزيعهم على 3333 مركزاً امتحانياً داخل السودان وفي عدد من الدول المضيفة للاجئين، من بينهم 156 ألفاً في ولاية الخرطوم وحدها. هذا الحضور العددي الكبير، إلى جانب الإشراف المباشر من المسؤولين المحليين ووزارة التربية والتعليم، يعكس مسعى رسمياً لإبراز صورة من الاستقرار النسبي، خصوصاً في العاصمة التي كانت مسرحاً رئيسياً للاشتباكات العنيفة خلال الأشهر الماضية. كما أن انعقاد الجلسة الأولى في مدرسة بحري الحكومية القديمة الثانوية للبنات يحمل بعداً رمزياً عميقاً، يوحي بعودة الحياة المدنية تدريجياً إلى بعض مفاصل العاصمة.
جغرافيا النزاع وانقسام الخريطة التعليمية
في المقابل، تكشف خريطة توزيع مراكز الامتحانات عن استمرار الانقسام السياسي والعسكري الحاد في البلاد. فبينما انطلقت الاختبارات في مناطق سيطرة الجيش، تقرر تأجيلها إلى شهر يونيو المقبل في المناطق الخاضعة لهيمنة قوات الدعم السريع، في انعكاس مباشر لانقسام السلطة على الأرض وتأثيره على الخدمات المدنية. كما تعذر جلوس نحو 280 ألف طالب وطالبة في ولايات دارفور الخمس وأجزاء واسعة من كردفان، مما يضع مستقبل شريحة واسعة من الشباب السوداني رهينة لتطورات المشهد الميداني المعقد. وفي محاولة لاحتواء آثار هذا التعثر والحفاظ على مبدأ تكافؤ الفرص التعليمية، تعهدت وزارة التربية والتعليم بتنظيم امتحانات بديلة في 13 مايو المقبل.
الأهمية والتأثير المتوقع لعودة المسار التعليمي
لا تقتصر أهمية إجراء هذه الامتحانات على البعد المحلي المتمثل في إنقاذ المستقبل الأكاديمي للطلاب، بل تمتد لتشمل تأثيرات إقليمية ودولية هامة. محلياً، يمثل استئناف التعليم بارقة أمل للأسر السودانية التي تكافح من أجل بقاء أبنائها بعيداً عن شبح التجنيد والانخراط في الأعمال العدائية. أما على الصعيدين الإقليمي والدولي، فإن استقرار المسار التعليمي يقلل من احتمالات نشوء جيل ضائع يفتقر إلى التعليم والفرص، وهو ما قد يشكل بؤرة للتطرف وعدم الاستقرار في المنطقة مستقبلاً. علاوة على ذلك، فإن توفير فرص التعليم داخل السودان يساهم في تخفيف موجات اللجوء والنزوح المستمرة نحو دول الجوار، والتي تعاني بدورها من ضغوط اقتصادية واجتماعية هائلة بسبب تدفق مئات الآلاف من اللاجئين السودانيين الباحثين عن الأمان والخدمات الأساسية.


