فيما انطلق مؤتمر برلين في العاصمة الألمانية، في محاولة للتخفيف من حدة الأزمة وتعزيز الدعم الإنساني للمدنيين، يغرق البلد العربي والأفريقي في مأساة حقيقية. بعد مرور سنوات على اندلاع حرب السودان، حصدت الاشتباكات الدامية أرواح أكثر من 150 ألف شخص، بينما يواجه نحو 25 مليون شخص خطر المجاعة الحتمية. ورغم فداحة هذه المأساة الإنسانية، فإنها لا تحظى بالاهتمام الكافي، بل دخلت في طي النسيان والتجاهل، في وقت تستأثر فيه أزمات دولية أخرى باهتمام المجتمع الدولي.
جذور الصراع: السياق التاريخي لاندلاع حرب السودان
لفهم تعقيدات المشهد الحالي، لا بد من العودة إلى السياق التاريخي الذي مهد لهذه الكارثة. بدأت التوترات تتصاعد بشكل ملحوظ بعد الإطاحة بنظام الرئيس السابق عمر البشير في عام 2019، حيث دخلت البلاد في مرحلة انتقالية هشة. تعمقت الخلافات لاحقاً بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع حول قضايا دمج القوات وإصلاح القطاع الأمني، مما أدى في النهاية إلى انفجار الأوضاع واندلاع حرب السودان بشكل شامل. هذا الصراع العنيف لم يكن وليد اللحظة، بل هو نتاج تراكمات سياسية وعسكرية واقتصادية طويلة، أدت إلى انهيار مؤسسات الدولة وتفاقم معاناة المواطن البسيط الذي وجد نفسه محاصراً بين نيران المتقاتلين.
التداعيات الكارثية: تأثيرات الأزمة محلياً وإقليمياً ودولياً
لم تقتصر آثار هذه المواجهات على الداخل فحسب، بل امتدت لتشكل تهديداً واسع النطاق. على الصعيد المحلي، تسببت الحرب في تدمير البنية التحتية الأساسية، من مستشفيات ومدارس وشبكات مياه وكهرباء، وخلقت أكبر أزمة نزوح داخلي في العالم. أما إقليمياً، فقد ألقى الصراع بظلاله الثقيلة على دول الجوار مثل تشاد ومصر وجنوب السودان، التي استقبلت ملايين اللاجئين الفارين من جحيم المعارك، مما شكل ضغطاً هائلاً على موارد هذه الدول المحدودة وأثار مخاوف من زعزعة الاستقرار الإقليمي. ودولياً، يثير استمرار الفوضى قلقاً بالغاً بشأن أمن البحر الأحمر وتزايد نشاط الجماعات المسلحة، فضلاً عن تأثيره على خطوط التجارة العالمية والأمن الغذائي.
مؤتمر برلين والجهود الدولية الخجولة
في ظل هذا المشهد القاتم، وتحت عنوان «السودان لا يكاد يعني شيئاً لهذا العالم»، اعتبرت صحيفة «زود دويتشه» الألمانية أن مؤتمر برلين الدولي يبعث بعض الأمل، لكنها تساءلت عما إذا كان المجتمع الدولي سيجد فيه الإرادة والقوة الكافيتين كبحاً لجماح الحرب، لتجيب بوضوح: «لا، هذا لن يحدث». وأضافت الصحيفة أن القتال مستمر، ومعه اقتصاد الحرب الذي تستفيد منه الأطراف المتنازعة، في وقت يغرق فيه السودانيون أكثر فأكثر في المعاناة، وهي المأساة الحقيقية التي لن يتمكن مؤتمر برلين من حلها بمفرده.
خذلان الفاشر: تحذيرات متجاهلة من إبادة جماعية
سلطت صحيفة «دي تسايت» الأسبوعية الضوء على مأساة مدينة الفاشر في مقال بعنوان «خيانة سكان الفاشر». واتهمت الصحيفة الولايات المتحدة وبريطانيا بتجاهل تحذيرات من احتمال وقوع إبادة جماعية، متسائلة: «ماذا فعلنا لحماية المدنيين في السودان خصوصاً في مدينة الفاشر؟». وذكرت أنه مع سيطرة قوات الدعم السريع في أكتوبر الماضي على المدينة، وقع ما حذر منه السكان وأجهزة المخابرات؛ مجزرة قد ترتقي إلى جريمة الإبادة الجماعية، إذ قُتل ما يصل إلى 10 آلاف شخص خلال 72 ساعة، ولا يزال 40 ألفاً في عداد المفقودين.
ورغم أن اتفاقية منع الإبادة الجماعية لعام 1948 تلزم الدول بالتحرك، ومبدأ «مسؤولية الحماية» الأممي لعام 2005 يسمح بالتدخل لحماية المدنيين عند فشل الدولة، إلا أنه لم يتم تفعيل هذه الالتزامات. وكشفت التقارير أن مسؤولين في الخارجية الأمريكية قللوا من أهمية التحذيرات. وفي النهاية، تبدو فرص إحداث تقدم دبلوماسي ضعيفة وسط ازدحام الأجندة الدولية بالحروب، لكن يبقى النظر إلى الضحايا والاعتراف بمعاناتهم هو الحد الأدنى من الواجب الإنساني.


