نفي رسمي وتأكيد على الإيجابية
في خطوة دبلوماسية هامة، نفت وزارة الخارجية السودانية بشكل قاطع صحة الأنباء التي ترددت حول رفض مجلس السيادة الانتقالي مقترحاً أمريكياً لوقف الحرب الدائرة في البلاد. وأكدت الوزارة في بيان رسمي أن التصريحات التي أدلى بها مسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للشؤون العربية والأفريقية، أمام مجلس الأمن الدولي، هي تصريحات “غير دقيقة ولا تعكس حقيقة الموقف السوداني” تجاه المقترح الأمريكي لإنهاء الحرب. وشددت الخرطوم على أنها تعاملت بمسؤولية وإيجابية مع كافة المبادرات الدولية والإقليمية الرامية إلى إيجاد حل سلمي للنزاع منذ اندلاعه.
يأتي هذا النفي في سياق الجهود الدبلوماسية المكثفة التي تبذلها أطراف دولية متعددة، وعلى رأسها الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية، للتوصل إلى هدنة مستدامة تمهد الطريق لمفاوضات سياسية شاملة. وقد تفاعلت الحكومة السودانية بشكل بنّاء مع المقترح الأمريكي، حيث قدمت رداً تفصيلياً في إطار المشاورات الجارية مع واشنطن، مما يعكس انفتاحها على مناقشة الحلول المطروحة واستعدادها للتعاون من أجل استعادة الأمن والاستقرار في البلاد.
جذور الصراع وتداعياته الإنسانية
اندلعت الحرب في السودان في أبريل 2023 نتيجة صراع مرير على السلطة بين الجيش السوداني بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع بقيادة الفريق أول محمد حمدان دقلو “حميدتي”. هذا الصراع لم يكن وليد اللحظة، بل هو تتويج لسنوات من التوترات السياسية التي أعقبت الإطاحة بنظام عمر البشير في عام 2019، وفشل الشريكين العسكريين في التوافق على خريطة طريق واضحة لدمج قوات الدعم السريع في الجيش والانتقال إلى حكم مدني ديمقراطي. وقد أدت الحرب إلى كارثة إنسانية غير مسبوقة، حيث نزح الملايين من ديارهم، وانهار القطاع الصحي، وبات شبح المجاعة يهدد حياة الملايين من السودانيين، مما يجعل التوصل إلى حل سياسي أمراً ملحاً أكثر من أي وقت مضى.
مسار المفاوضات ودور المقترح الأمريكي لإنهاء الحرب
لم تتوقف المحاولات الدولية لإسكات صوت المدافع منذ اليوم الأول. وشكل “منبر جدة”، الذي رعته السعودية والولايات المتحدة، المحطة الأبرز لهذه الجهود، حيث تم التوصل إلى “إعلان جدة” في مايو 2023 الذي التزم فيه الطرفان بحماية المدنيين، تلته عدة هدن إنسانية قصيرة الأمد. وعلى الرغم من تعثر تلك الجولات، استمرت المساعي الدبلوماسية. ويُنظر إلى المقترح الأمريكي لإنهاء الحرب الأخير على أنه محاولة جديدة لإعادة الزخم إلى العملية السلمية، بالبناء على الدروس المستفادة من المبادرات السابقة. وتهدف هذه الجهود إلى تحقيق وقف دائم لإطلاق النار، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، ووضع أسس لعملية سياسية يملكها السودانيون أنفسهم.
شروط واضحة للسلام الدائم
أوضح بيان الخارجية السودانية أن أي مبادرة جادة لإنهاء الحرب يجب أن تستند إلى أسس واضحة، أهمها وقف الإمداد الخارجي لـ”المليشيا المتمردة” بالسلاح والمرتزقة، وإنهاء كافة أشكال الدعم السياسي والدبلوماسي الذي يمكنها من مواصلة عملياتها العسكرية. ودعت الوزارة المجتمع الدولي إلى التعامل بواقعية وموضوعية مع الأزمة، معتبرة أن السودان يواجه “عدواناً مباشراً برعاية أجنبية يستهدف الدولة والشعب السوداني”. وأكدت الحكومة أنها شاركت بفعالية في مختلف المساعي السلمية، بما في ذلك تقديم مبادرة لمجلس الأمن في ديسمبر 2025 لحماية المدنيين، مما يبرهن على التزامها الثابت بإنهاء معاناة شعبها واستعادة سيادة الدولة ومؤسساتها.


