انفجرت التفاهمات الأمريكية الإيرانية مبكراً وقبل انقضاء مهلة الستين يوماً التي كان يُعول عليها لإبرام اتفاق نهائي، ليعود مضيق هرمز إلى واجهة الأحداث كبؤرة توتر رئيسية تهدد بإشعال فتيل حرب شاملة. وتبددت الأوهام الدبلوماسية سريعاً ليجد العالم نفسه أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الاستمرار في حرب استنزافية طويلة الأمد تحت شعار “لا حرب ولا سلم” عبر ضربات موضعية ومفاوضات متقطعة، أو الانزلاق نحو مواجهة عسكرية مفتوحة تعيد إلى الأذهان سيناريوهات التصعيد العسكري السابقة التي شهدتها المنطقة.
جذور الصراع التاريخي والسيادة على مضيق هرمز
يعتبر مضيق هرمز أحد أهم الممرات المائية في العالم، حيث يمر عبره نحو خمس استهلاك النفط العالمي، مما يجعله شرياناً حيوياً للاقتصاد الدولي. تاريخياً، ظل المضيق ساحة للتنافس الجيوسياسي ومحوراً للاستراتيجية الإيرانية للضغط على القوى الغربية. وتستند طهران في تصعيدها الأخير إلى تفسيرها الخاص لمذكرات التفاهم، معتبرة أن تنظيم المرور الآمن يقع تحت سيادتها المطلقة، مما دفعها ميدانياً إلى فرض عبور السفن من المسار الشمالي المحاذي لسواحلها واستهداف أي سفينة تسلك المسار الجنوبي التابع لسلطنة عمان. في المقابل، تؤكد واشنطن والمجتمع الدولي أن المضيق ممر دولي يخضع لمبدأ حرية الملاحة، ولا يمكن القبول بأي تهديد لحركة التجارة العالمية عبره.
تحول في الموقف الأمريكي والغطاء الدولي الجديد
شهد الموقف الأمريكي تحولاً جذرياً في لهجة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي أبدى غضباً عارماً تجاه التصرفات الإيرانية الأخيرة واستهداف ثلاث سفن في المضيق. ترامب، الذي قضى الأسابيع الماضية في الإشادة بـ “واقعية” القادة الجدد في طهران مراهناً على براغماتيتهم، وجد نفسه مدعوماً بغطاء دولي غير مسبوق تبلور في قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في أنقرة. هذه القمة شرعنت بوضوح استخدام القوة العسكرية لحماية الملاحة الدولية، مما منح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الضوء الأخضر الذي كان يحتاجه للتعامل بحزم مع التهديدات الإيرانية، معتبراً أن استهداف ناقلات النفط يمثل ضربة مباشرة لعصب الاقتصاد العالمي لا يمكن لواشنطن التغاضي عنها.
الأبعاد الإقليمية وتأثير التصعيد على أمن المنطقة
داخلياً في إيران، انتهت لعبة التوازنات التقليدية بين التيارين المحافظ والمعتدل، خاصة بعد جنازة المرشح علي خامنئي التي ساهمت في تذويب الفوارق السياسية، ليتصرف النظام ككتلة واحدة تحت قيادة الحرس الثوري الذي يرفض تقديم أي تنازلات. هذا التماسك الداخلي يقابله ضغط إسرائيلي مباشر؛ حيث استغل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الغضب الأمريكي لتعزيز موقفه الداعي لإنهاء ملف اليورانيوم المخصب الإيراني.
إن أي انفجار عسكري في جبهة هرمز لن يقتصر على مياه الخليج، بل سيفعل تلقائياً استراتيجية “وحدة الساحات”، مما قد يحول لبنان وجبهات أخرى إلى منصات للرد المباشر. ومع رفض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للحروب الكبرى وبحثه عن حلول تحمي أسواق النفط، فإن السيناريو الأقرب قد لا يكون غارات تقليدية، بل عمليات خاطفة تستهدف العمق النفطي الإيراني، مثل جزيرة “خارك”، لفرض الاستسلام بالقوة وإعادة صياغة موازين القوى في المنطقة.


