حذرت شركة يونانية متخصصة في إدارة المخاطر البحرية من تصاعد مقلق في عمليات الاحتيال الإلكتروني التي تستهدف شركات الشحن البحري العالمية. وتستغل هذه العمليات التوترات الحالية في مضيق هرمز، حيث تعد جهات مجهولة بتأمين مرور السفن التجارية وناقلات النفط عبر هذا الممر المائي الاستراتيجي مقابل دفع رسوم مالية باستخدام العملات الرقمية المشفرة.
وأوضحت شركة “ماريسكس” (Marisec) للأمن البحري أن هناك جهات مجهولة الهوية تنتحل صفة السلطات الإيرانية، وتقوم بإرسال رسائل بريد إلكتروني مضللة إلى بعض الشركات التي علقت سفنها في المنطقة الغربية من المضيق. وتطالب هذه الرسائل بدفع مبالغ مالية ضخمة باستخدام عملات مشفرة يصعب تتبعها مثل “البيتكوين” (Bitcoin) و”التيثر” (Tether)، وذلك مقابل منح ما يسمى بـ “تصريح عبور آمن”. وقد أكدت الشركة بشكل قاطع أن هذه الرسائل تمثل “عملية احتيال” مكتملة الأركان، مشددة على أنها لا تمت بصلة لأي جهة رسمية أو للسلطات الإيرانية.
الأهمية الاستراتيجية والتاريخية لـ مضيق هرمز
يُعد مضيق هرمز واحداً من أهم الممرات المائية وأكثرها حساسية على مستوى العالم. تاريخياً، شكل هذا المضيق نقطة اختناق جيوسياسية رئيسية، حيث يربط بين الخليج العربي وخليج عمان وبحر العرب. وتكمن أهميته البالغة في كونه الشريان الرئيسي لتدفقات الطاقة العالمية؛ فقبل اندلاع التوترات الأخيرة في الشرق الأوسط، كان يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال المستهلكة عالمياً. على مر العقود، شهد المضيق أزمات متعددة، بدءاً من “حرب الناقلات” في ثمانينيات القرن الماضي خلال الحرب العراقية الإيرانية، وصولاً إلى التوترات المعاصرة المتعلقة بالعقوبات الدولية وحرية الملاحة، مما يجعله بيئة خصبة لانتشار الشائعات وعمليات الابتزاز التي تستهدف خطوط الإمداد.
تداعيات الأزمة وتأثيرها على حركة التجارة العالمية
تأتي هذه التحذيرات الأمنية في ظل استمرار التوترات الجيوسياسية المعقدة في المنطقة. فمن جهة، تحافظ الولايات المتحدة الأمريكية على عقوباتها الصارمة التي تستهدف الموانئ الإيرانية وتجارة النفط. ومن جهة أخرى، قامت طهران بفرض وإعادة فرض قيود على حركة الملاحة في المضيق. هذا المشهد المعقد ألقى بظلاله الثقيلة على الاقتصاد العالمي، حيث يؤدي أي تهديد لأمن الملاحة في هذه المنطقة إلى ارتفاع فوري في تكاليف التأمين البحري، وتذبذب في أسعار النفط العالمية، مما يؤثر بشكل مباشر على معدلات التضخم والاقتصادات المستوردة للطاقة في آسيا وأوروبا.
مئات السفن العالقة ومخاطر الاستجابة لرسائل الاحتيال
وتشير التقديرات الميدانية إلى أن هناك مئات السفن التجارية ونحو 20 ألف بحّار ما زالوا عالقين في مياه الخليج، يواجهون مصيراً غامضاً في ظل استمرار القيود وعدم وضوح الرؤية المستقبلية لحركة الملاحة. وفي 18 أبريل الماضي، سُمح مؤقتاً بفتح المضيق مع فرض عمليات تفتيش دقيقة، إلا أن محاولات العبور لم تخلُ من المخاطر الجسيمة. فقد أفادت التقارير بتعرض سفينتين على الأقل، إحداهما ناقلة نفط، لإطلاق نار من قِبل زوارق إيرانية، مما أجبرهما على التراجع وتغيير مسارهما.
وفي هذا السياق، ترى شركة “ماريسكس” أن بعض السفن التي تعرضت لحوادث إطلاق النار أو التوقيف ربما تكون قد وقعت ضحية لهذه العمليات الاحتيالية المتقدمة، وذلك بعد استجابتها للرسائل المضللة ظناً منها أنها تتعامل مع جهات رسمية. وقد جاء في إحدى الرسائل الاحتيالية المتداولة نص صريح يقول: “بعد تقديم الوثائق وتقييم أهليتكم من قبل الأجهزة الأمنية الإيرانية، سيتم تحديد الرسوم المستحقة بالعملات المشفرة، وعندها فقط يمكن لسفينتكم عبور المضيق دون عوائق في الموعد المحدد”. هذا الاستغلال للفوضى يؤكد ضرورة توخي شركات الشحن أقصى درجات الحيطة والحذر، والاعتماد حصراً على القنوات الرسمية لتأمين خطوط الملاحة.


