في تطور لافت يعكس تباين الرؤى داخل التحالفات الغربية، كشفت صحيفة «إلباييس» الإسبانية عن قرار مدريد الحاسم بشأن احتمالات اندلاع حرب إيران. فقد أعلنت إسبانيا رسمياً إغلاق مجالها الجوي أمام الطائرات العسكرية الأمريكية المشاركة في أي عمليات عسكرية محتملة ضد طهران. وتأتي هذه الخطوة التصعيدية لتتجاوز الرفض الإسباني السابق المتمثل في عدم السماح للولايات المتحدة باستخدام القواعد العسكرية المشتركة على الأراضي الإسبانية لشن هجمات في الشرق الأوسط.
وأوضحت الصحيفة، نقلاً عن مصادر عسكرية رفيعة المستوى، أن هذا الإغلاق الاستراتيجي للمجال الجوي سيجبر الطائرات العسكرية الأمريكية على تغيير مساراتها وتجاوز إسبانيا، التي تعد دولة عضواً بارزاً في حلف شمال الأطلسي «الناتو»، أثناء توجهها نحو أهدافها في منطقة الشرق الأوسط. وأكدت المصادر أن هذا الحظر الجوي صارم، ولكنه يستثني فقط حالات الطوارئ الإنسانية أو الفنية البحتة.
أبعاد القرار الإسباني في ظل التلويح بشن حرب إيران
لم يأتِ هذا القرار من فراغ، بل يعبر عن سياسة حكومية واضحة المعالم. ورداً على التساؤلات حول ما إذا كان قرار إغلاق المجال الجوي قد يؤدي إلى تدهور خطير في العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية مع الولايات المتحدة، صرح وزير الاقتصاد الإسباني، كارلوس كويربو، خلال مقابلة مع إذاعة «كادينا سير» قائلاً: «هذا القرار هو امتداد طبيعي وجزء لا يتجزأ من الموقف الذي اتخذته الحكومة الإسبانية بالفعل، والمتمثل في عدم المشاركة أو المساهمة بأي شكل في حرب بدأت من جانب واحد، وبما يخالف صراحة مبادئ القانون الدولي».
وفي السياق ذاته، يبرز موقف رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، الذي يُعد من أشد القادة الأوروبيين معارضة للسياسات التصعيدية. فقد أعلن سانشيز مراراً رفضه القاطع للهجمات الأمريكية والإسرائيلية المحتملة على الأراضي الإيرانية، واصفاً إياها بالخطوات «المتهورة وغير القانونية» التي تهدد السلم العالمي. وفي الوقت نفسه، حافظ سانشيز على توازن موقفه الدبلوماسي من خلال إدانته ومعارضته الشديدة لأي اعتداءات إيرانية تستهدف أمن واستقرار دول الخليج العربي، مؤكداً على ضرورة احترام سيادة الدول.
السياق التاريخي للعلاقات العسكرية بين مدريد وواشنطن
لفهم جذور هذا الموقف، يجب النظر إلى السياق العام والخلفية التاريخية للتعاون العسكري بين البلدين. ترتبط إسبانيا والولايات المتحدة باتفاقيات دفاعية تاريخية تعود إلى عقود مضت، أبرزها الاتفاقيات التي تسمح للقوات الأمريكية باستخدام قواعد استراتيجية مثل قاعدة «روتا» البحرية وقاعدة «مورون» الجوية. ومع ذلك، أثبتت مدريد في محطات تاريخية سابقة استقلاليتها في اتخاذ القرارات السيادية، خاصة عندما يتعلق الأمر بصراعات تفتقر إلى غطاء من الأمم المتحدة أو تخالف القانون الدولي، كما حدث في عام 2004 عندما قررت إسبانيا سحب قواتها من العراق.
هذا الاستقلال في القرار السيادي أثار حفيظة الإدارات الأمريكية المتعاقبة. وفي هذا الإطار، برزت تهديدات الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب، الذي لوّح بقطع العلاقات التجارية والاقتصادية مع مدريد، كنوع من الضغط المباشر عقاباً لها على رفضها السماح للولايات المتحدة باستخدام القواعد الإسبانية في أي صراع عسكري شرق أوسطي.
التأثيرات الإقليمية والدولية للموقف الإسباني
يحمل هذا الحدث أهمية كبرى وتأثيرات متوقعة تتجاوز الحدود المحلية لإسبانيا. على الصعيد المحلي، يعزز هذا القرار من شعبية الحكومة الحالية بين الأوساط السياسية والشعبية الرافضة للانخراط في صراعات مسلحة خارجية، رغم المخاوف من التداعيات الاقتصادية المحتملة للضغوط الأمريكية.
أما على الصعيد الإقليمي والدولي، فإن إغلاق المجال الجوي الإسباني يشكل تحدياً لوجستياً كبيراً للجيش الأمريكي، حيث يزيد من تعقيد مسارات الطيران ويطيل المدة الزمنية للوصول إلى الشرق الأوسط. كما أن هذا الموقف يلقي بظلاله على تماسك التحالفات الغربية داخل حلف «الناتو»، إذ يبعث برسالة قوية مفادها أن الدول الأوروبية لم تعد مستعدة لتقديم دعم عسكري أو لوجستي غير مشروط للعمليات العسكرية الأمريكية، مفضلةً اللجوء إلى القنوات الدبلوماسية والالتزام بمقررات الشرعية الدولية لتجنب إشعال منطقة الشرق الأوسط.


