شهدت الساحة السودانية تصعيداً عسكرياً جديداً مع تجدد معارك جنوب كردفان، حيث اندلعت اشتباكات عنيفة في منطقة التكمة الواقعة شرق مدينة الدلنج يوم الاثنين. وتأتي هذه التطورات وسط تقارير متضاربة حول الجهة التي تفرض سيطرتها الفعلية على الموقع الاستراتيجي الواقع على الطريق الرئيسي، مما يعكس ضراوة المواجهات في تلك المنطقة الحيوية.
الجذور التاريخية للنزاع وتأثير معارك جنوب كردفان
تتمتع ولاية جنوب كردفان، التي تضم جبال النوبة، بأهمية استراتيجية وجيوسياسية بالغة في السودان. تاريخياً، عانت هذه المنطقة من تهميش ونزاعات مسلحة لعقود، لا سيما مع تواجد فصائل مسلحة مثل الحركة الشعبية لتحرير السودان-شمال. ومع اندلاع الحرب الأخيرة في منتصف أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، امتدت شرارة الصراع إلى هذه الولاية الغنية بالموارد، مما زاد من تعقيد المشهد الأمني. إن تجدد معارك جنوب كردفان لا يمثل مجرد اشتباك عابر، بل هو امتداد لصراع طويل للسيطرة على خطوط الإمداد والمناطق الحاكمة التي تربط وسط السودان بجنوبه وغربه.
تقدم الجيش السوداني وتطهير مناطق جديدة
على الصعيد الميداني، أعلنت القوات المسلحة السودانية عن تحقيق تقدم ملموس. فقد نجحت قوات الفرقة الرابعة مشاة، المعروفة بـ «أسود النيل الأزرق»، مسنودة بالقوات المساندة لها، في تطهير منطقتي «كرن كرن» و«دوكان» من قبضة ميليشيا الدعم السريع المتمردة. ووفقاً لبيان رسمي نشره الجيش السوداني على منصة «إكس»، تكبدت قوات الدعم السريع خسائر فادحة في الأرواح والمعدات العسكرية جراء هذه العمليات.
وفي سياق متصل بالمحور الجنوبي، أكدت القوات المسلحة أن الفرقة الرابعة مشاة تمكنت أيضاً من تحرير منطقة «الكيلي» الواقعة على تخوم مدينة الكرمك. وجاء هذا التحرير بعد معارك ضارية ضد كل من ميليشيا الدعم السريع وقوات المتمرد جوزيف توكا، حيث فر من تبقى من المتمردين هاربين أمام ضربات الجيش، مخلفين وراءهم خسائر كبيرة في العتاد.
التداعيات الاستراتيجية للعمليات العسكرية
تحمل هذه التطورات الميدانية أهمية كبرى على المستويات المحلية والإقليمية. محلياً، تسعى القوات المسلحة من خلال هذه العمليات إلى تعزيز الأمن والاستقرار في الإقليم، وتأمين الحدود، وتطهير الأراضي من الوجود المسلح المتمرد، مما يمهد لعودة النازحين. إقليمياً، يساهم تأمين جنوب كردفان في قطع طرق الإمداد والتهريب التي تغذي الصراع، ويمنع تمدد الفوضى إلى دول الجوار. أما دولياً، فإن سيطرة الجيش على هذه المناطق الحيوية تعزز من موقفه كقوة شرعية قادرة على فرض سيادة الدولة وحماية أمنها القومي.
انشقاقات متتالية تضرب صفوف الدعم السريع
تتزامن هذه الانتصارات العسكرية مع تصدع واضح في البنية التنظيمية لقوات الدعم السريع. فقد أعلن عدد من القيادات البارزة انشقاقهم الرسمي عن الميليشيا وانضمامهم إلى صفوف الجيش السوداني. من أبرز هؤلاء، القيادي المنتمي لقبيلة المسيرية، إسماعيل محمد يوسف، الذي أعلن انشقاقه خلال اليومين الماضيين.
تأتي هذه الخطوة بعد أيام قليلة من إعلان القائد الميداني علي رزق الله، المعروف بـ «السافنا»، انشقاقه عبر مقطع فيديو بثه على منصة «إكس». وكشف «السافنا» في تصريحاته عن حقائق خطيرة، مؤكداً أن قيادات قبلية أُجبرت تحت التهديد على الانخراط في القتال خلال الفترة الماضية. كما حذر من أن تدفقات السلاح إلى قوات الدعم السريع في إقليم دارفور لا تزال مستمرة وبكميات كبيرة وملحوظة، مما يستدعي تدخلاً حاسماً لوقف هذا الإمداد العسكري.


