في ظل التطورات المتسارعة التي تشهدها الساحة الإقليمية، تتجه الأنظار نحو الجهود الرامية إلى تثبيت الهدنة في لبنان، حيث وصف قائد الجيش اللبناني العماد جوزيف عون المفاوضات المباشرة مع الجانب الإسرائيلي بأنها “دقيقة ومفصلية”. وأكد خلال لقائه وفداً من نواب بيروت أن هذه المرحلة الحساسة تتطلب مسؤولية وطنية موحدة لضمان استقرار البلاد. وأوضح أن الموقف الرسمي للدولة اللبنانية يرتكز بشكل أساسي على وقف إطلاق النار، وضمان انسحاب القوات الإسرائيلية بالكامل، إلى جانب معالجة الخلافات الحدودية العالقة التي طالما شكلت بؤرة للتوتر.
جذور الصراع ومسار التفاوض التاريخي
لم تكن مساعي تثبيت الهدنة في لبنان وليدة اللحظة، بل هي امتداد لتاريخ طويل من الصراعات الحدودية والتوترات بين لبنان وإسرائيل. تاريخياً، استندت الترتيبات الأمنية في الجنوب اللبناني إلى القرار الأممي 1701 الصادر في عام 2006 عقب حرب تموز، والذي نص على انسحاب إسرائيل إلى الخط الأزرق وحصر الوجود المسلح جنوب نهر الليطاني بالجيش اللبناني وقوات اليونيفيل. ومع تجدد الاشتباكات مؤخراً، باتت الحاجة ملحة لإعادة إحياء هذه الترتيبات وتحديث آليات تنفيذها بما يضمن عدم تكرار التصعيد العسكري. ويعتبر وقف إطلاق النار الحالي المدخل الأساسي للمضي قدماً في مفاوضات جادة تحظى بدعم محلي وإقليمي ودولي واسع، في فرصة يرى المراقبون أنه لا يجب إهدارها.
دور الجيش اللبناني في مرحلة ما بعد الانسحاب
لفت العماد جوزيف عون إلى أن الجيش اللبناني سيضطلع بدور محوري وأساسي فور انسحاب القوات الإسرائيلية. وتتمثل المهمة الأبرز للمؤسسة العسكرية في طمأنة المواطنين الجنوبيين العائدين إلى قراهم وبلداتهم، وفرض سيادة الدولة من خلال التأكيد على عدم وجود أي قوى مسلحة خارج إطار الجيش والقوى الأمنية الشرعية. وقد دخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ الفعلي مساء الخميس، بناءً على اتفاق يتضمن ستة بنود رئيسية، شملت إعلان هدنة مبدئية. هذا الواقع الجديد يضع لبنان أمام مسؤولية تاريخية لاستثمار الدعم العربي والدولي المتاح حالياً لإعادة بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها.
التداعيات الإقليمية والدولية لنجاح تثبيت الهدنة في لبنان
يحمل نجاح جهود تثبيت الهدنة في لبنان أهمية كبرى تتجاوز الحدود المحلية لتشمل استقرار منطقة الشرق الأوسط بأسرها. فعلى الصعيد المحلي، سيتيح الاتفاق عودة مئات الآلاف من النازحين إلى مناطقهم والبدء في مسيرة إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي. أما إقليمياً ودولياً، فإن التهدئة في الجبهة اللبنانية تسهم في نزع فتيل حرب إقليمية واسعة النطاق، وتخفف من حدة الاستقطاب الدولي. وقد برز هذا الاهتمام الدولي من خلال المشاركة المباشرة للإدارة الأمريكية والضغط المستمر للوصول إلى تسوية دبلوماسية مستدامة تضمن أمن الحدود للطرفين.
الموقف الإسرائيلي والترتيبات الأمنية المؤقتة
على الجانب الآخر، تفرض إسرائيل شروطاً ميدانية خلال هذه المرحلة الانتقالية. فقد صرح المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، أفيخاي أدرعي، بأن القوات الإسرائيلية ستستمر في التمركز في مواقعها الحالية داخل جنوب لبنان حتى بعد سريان الهدنة، مبرراً ذلك بمواجهة أي تحركات محتملة لحزب الله، ومحذراً اللبنانيين من التوجه جنوب نهر الليطاني حتى إشعار آخر. وفي سياق متصل، شدد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس على التزام بلاده بنزع سلاح حزب الله، سواء عبر القنوات السياسية أو الخيارات العسكرية. وكشف كاتس عن إنشاء منطقة أمنية بعمق يصل إلى 10 كيلومترات من خط الحدود، تمتد من الساحل الغربي وصولاً إلى جبل الشيخ شرقاً، بهدف حماية المستوطنات الشمالية من أي تهديدات مباشرة، مشيراً إلى وجود زخم سياسي كبير مدعوم أمريكياً لتحقيق هذه الأهداف.


