أوضح سماحة مفتي عام المملكة العربية السعودية سابقاً، الشيخ بن باز، رحمة الله عليه، حكماً شرعياً هاماً يتعلق بمن أقدم على انتهاك حرمة شهر رمضان المبارك بالإفطار متعمداً دون عذر شرعي. وقد بين الشيخ أن الواجب في حق هذا الشخص هو القضاء مع التوبة النصوح إلى الله تعالى، مؤكداً أن الاستهانة بفريضة الصيام تعد من كبائر الذنوب التي تستوجب الندم والرجوع إلى الحق.
السياق التاريخي ومكانة الشيخ بن باز العلمية
يحتل الشيخ بن باز مكانة رفيعة في التاريخ الإسلامي المعاصر، حيث تولى منصب مفتي عام المملكة العربية السعودية ورئيس هيئة كبار العلماء حتى وفاته في عام 1999م. وتميزت فتاواه بالاعتماد المباشر على الدليل من الكتاب والسنة، مع الحرص على تنقية الأحاديث النبوية مما شابها من ضعف. وتأتي هذه الفتوى في سياق حرص الشيخ الدائم على تبيان الأحكام الشرعية للمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، خاصة فيما يتعلق بأركان الإسلام الخمسة، حيث كان مرجعاً أساسياً يستند إليه طلبة العلم والعامة على حد سواء في معرفة أمور دينهم.
تفاصيل فتوى الشيخ بن باز في الإفطار العمد
وفي تفصيل المسألة، تطرق الشيخ عبدالعزيز بن باز إلى الحديث المشهور الذي يتداوله البعض: (من أفطر يوماً من رمضان بغير عذر لم يقض عنه صيام الدهر وإن صامه)، حيث صرح الشيخ بأن هذا الحديث يُعد ضعيفاً ومضطرباً عند أهل العلم بالحديث، ولا يصح الاستناد إليه في بناء الأحكام الشرعية. وبناءً على ذلك، فإن من أفطر متعمداً لا يسقط عنه القضاء، بل يبقى الصيام ديناً في ذمته يجب عليه أداؤه.
كما لفت الشيخ النظر إلى نقطة جوهرية تتعلق بالكفارة، موضحاً أن الإفطار إذا كان بغير الجماع – كالأكل والشرب متعمداً – فليس فيه كفارة (عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكيناً)، وإنما الواجب هو قضاء اليوم فقط مع التوبة الصادقة، لأن الكفارة مغلظة ووردت في النص الشرعي في حالة الجماع فقط.
أهمية الفتوى وتأثيرها الشرعي
تكمن أهمية توضيحات الشيخ بن باز في هذا السياق في إزالة اللبس لدى شريحة واسعة من المسلمين الذين قد يظنون أن الإفطار العمد لا قضاء له ليأسه من رحمة الله، أو من يعتقد بوجوب الكفارة المغلظة على كل مفطر. إن تأكيد الشيخ على وجوب التوبة يبرز الجانب التربوي والروحي في التشريع الإسلامي، حيث لا يكفي الأداء الشكلي للعبادة (القضاء) دون إصلاح ما فسد بين العبد وربه (التوبة). وتعد هذه الفتاوى ركيزة أساسية في ضبط السلوك الديني للمجتمع، وتذكير دائم بعظمة شعائر الله وحرمة انتهاكها، مما يعزز الوازع الديني ويحفظ للمجتمع المسلم هويته والتزامه الشرعي.


