تتجه أنظار العالم اليوم نحو الجهود الدولية الحثيثة الرامية إلى تأمين الملاحة في مضيق هرمز، حيث تجتمع أكثر من 40 دولة لعرض مساهماتها العسكرية في مهمة بحرية تقودها الدول الأوروبية، وعلى رأسها بريطانيا وفرنسا. تهدف هذه المهمة الاستراتيجية إلى مرافقة السفن التجارية وحمايتها أثناء عبورها هذا الممر المائي الحيوي، وذلك فور التوصل إلى اتفاق نهائي لوقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران. وتأتي هذه التحركات في ظل تصاعد التوترات الإقليمية التي تهدد استقرار أسواق الطاقة العالمية.
الأهمية الاستراتيجية: لماذا يعد تأمين الملاحة في مضيق هرمز أولوية عالمية؟
لفهم حجم التحرك الدولي الحالي، يجب النظر إلى السياق التاريخي والأهمية الجيوسياسية لهذا الممر. يربط مضيق هرمز بين الخليج العربي وخليج عُمان وبحر العرب، ويُعد الشريان الأهم لتدفق إمدادات الطاقة في العالم، حيث يمر عبره نحو خُمس استهلاك العالم من النفط الخام يومياً. تاريخياً، كان المضيق بؤرة للتوترات، لعل أبرزها «حرب الناقلات» في ثمانينيات القرن الماضي خلال الحرب العراقية الإيرانية، والتي استدعت تدخلات دولية مشابهة لحماية السفن. لذلك، فإن أي تهديد يعيق حركة الملاحة هناك ينعكس فوراً على الاقتصاد العالمي بأسره، مما يجعل تأمين الملاحة في مضيق هرمز ليس مجرد شأن إقليمي، بل ضرورة دولية قصوى لتجنب أزمات اقتصادية طاحنة.
تفاصيل التحالف الأوروبي والقدرات العسكرية المشاركة
يُتوقع أن تقدم الدول المشاركة في هذا التحالف حزمة من الخدمات العسكرية المتطورة، تشمل عمليات إزالة الألغام البحرية، وتوفير المرافقة المسلحة، والمراقبة الجوية الدقيقة. وفي هذا السياق، صرح وزير الدفاع البريطاني جون هيلي، الذي يترأس الاجتماع الثالث من نوعه بالاشتراك مع نظيرته الفرنسية كاترين فوتران، قائلاً: «نحن نحول الاتفاق الدبلوماسي إلى خطط عسكرية عملية لاستعادة ثقة الملاحة عبر هرمز».
وعلى الصعيد الميداني، أعلنت بريطانيا أنها ستنشر المدمرة الحربية المتقدمة «إتش إم إس دراجون»، والتي تمتلك قدرات فائقة على تدمير الصواريخ الموجهة. من جانبها، أعلنت فرنسا نقل حاملة الطائرات الشهيرة «شارل ديجول» إلى البحر الأحمر، في خطوة استراتيجية تهدف إلى إظهار الجاهزية التامة للتحالف. وقد نقلت وكالة «بلومبيرغ» عن مسؤول فرنسي تأكيده أن سفناً من دول شريكة أخرى ستنضم قريباً، مشيراً إلى أن التحالف مستعد لمرافقة ناقلات النفط إذا وافقت إيران على المقترح الأمريكي لإنهاء الحرب.
التحديات السياسية والانتقادات الأمريكية
رغم هذا الحشد الدولي، تواجه المهمة تحديات سياسية ولوجستية. فقد جاءت هذه التحركات بعد انتقادات لاذعة وجهها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لبريطانيا ودول أخرى في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، متهماً إياهم بالتردد والتأخر في إرسال قوات بحرية للمساعدة في فتح المضيق، واصفاً السفن المرسلة بأنها مجرد «ألعاب». يُضاف إلى ذلك التحديات اللوجستية التي تواجهها بريطانيا، حيث أصبحت قدرة سلاح البحرية الملكية محدودة مقارنة بالماضي، مما اضطرها إلى سحب بعض السفن من الخدمة قبل توفير بدائل حديثة لها.
الموقف الإيراني وتصاعد لغة التهديد
في المقابل، ترفض طهران بشدة هذا التواجد العسكري الأجنبي بالقرب من مياهها. فقد توعدت إيران برد عسكري حازم على هذه التحركات. وصرح نائب وزير الخارجية الإيراني، كاظم غريب آبادي، بأن «أي نشر أو تمركز لمدمرات من خارج المنطقة حول مضيق هرمز، بذريعة حماية الملاحة، ليس إلا تصعيداً للأزمة وعسكرة لممر مائي حيوي». واعتبر غريب آبادي أن هذه الخطوات تمثل محاولة للتغطية على السبب الجذري لانعدام الأمن في المنطقة، مشدداً على أن رد بلاده على أي تصعيد سيكون «حاسماً وفورياً».


