مؤشر مقلق لصحة الشباب في المملكة
كشفت دراسة سعودية حديثة عن حقيقة مقلقة، حيث أن 18.3% من المراهقين في السعودية يتعرضون لدخان التبغ السلبي داخل منازلهم، مما يضعهم في دائرة الخطر الصحي ويرفع من احتمالية تحولهم إلى مدخنين في المستقبل. الدراسة التي نُشرت في يونيو 2024 في مجلة علمية مرموقة، استندت إلى بيانات “المسح العالمي لتبغ اليافعين” لعام 2022، وشملت عينة واسعة من 6,983 طالباً وطالبة تتراوح أعمارهم بين 11 و17 عاماً، لتقدم صورة واضحة عن حجم المشكلة داخل البيئة الأسرية.
وأظهرت النتائج، التي أعدتها الباحثة مروج عبدالله الدريهم من جامعة الملك عبدالعزيز بجدة، أن التعرض للدخان في المنزل لم يكن متساوياً بين الجنسين، حيث بلغت النسبة بين الإناث 21.8%، وهي أعلى بشكل ملحوظ من الذكور الذين سجلوا نسبة 14.9%. هذا الرقم لا يسلط الضوء على المخاطر الصحية المباشرة للتدخين السلبي فحسب، بل يكشف عن تأثير البيئة المحيطة على سلوكيات المراهقين، حيث يصبحون أكثر قابلية لتبني عادة التدخين بأنفسهم.
جهود المملكة في مكافحة التدخين وسياق القضية
تأتي هذه الدراسة في وقت تبذل فيه المملكة العربية السعودية جهوداً حثيثة لمكافحة التدخين، تماشياً مع أهداف “رؤية 2030” الرامية إلى تحسين جودة الحياة وتعزيز الصحة العامة. وقد اتخذت الحكومة السعودية خطوات عديدة على مر السنوات، مثل فرض ضرائب باهظة على منتجات التبغ، ومنع التدخين في الأماكن العامة والمؤسسات الحكومية، وإطلاق حملات توعوية واسعة عبر اللجنة الوطنية لمكافحة التبغ. ورغم نجاح هذه السياسات في تقليل نسبة التدخين في الأماكن العامة، إلا أن نتائج الدراسة الأخيرة تكشف أن المنزل لا يزال يشكل ثغرة رئيسية ومصدراً أساسياً لتعرض الفئات الأكثر ضعفاً، وهم الأطفال والمراهقين في السعودية، لمخاطر التبغ.
ما وراء الأرقام: تأثير البيئة المنزلية على سلوك المراهقين
لم تقتصر الدراسة على رصد نسبة التعرض، بل حللت العلاقة العميقة بين وجود مدخنين في المنزل وسلوك المراهقين. ووجدت أن المراهقين الذين يتعرضون للدخان في منازلهم كانوا أكثر ميلاً لتجربة منتجات التبغ المختلفة؛ حيث زادت احتمالية تدخينهم للسجائر بمقدار 1.78 مرة، والشيشة بمقدار 1.69 مرة، والسجائر الإلكترونية بمقدار 1.74 مرة، مقارنة بأقرانهم الذين يعيشون في بيئة منزلية خالية من التدخين. وتشير هذه الأرقام إلى أن تدخين الوالدين أو وجود أصدقاء مدخنين يساهم في تطبيع هذه العادة الخطيرة في أذهان الشباب، مما يحول القضية من مجرد سلوك فردي إلى مشكلة مجتمعية تتطلب تدخلاً عاجلاً. وأوصت الدراسة بضرورة تصميم برامج وقائية موجهة للأسرة، وتعزيز مفهوم “المنازل الخالية من التدخين”، وتكثيف الحملات التي تستهدف الوالدين لتوعيتهم بتأثير سلوكهم المباشر على صحة ومستقبل أبنائهم.


