تشهد الاستثمارات اللوجستية السعودية تحولاً استراتيجياً شاملاً منذ توحيد المملكة في 23 سبتمبر 1932 وحتى عام 2026، حيث انتقلت الدولة من مرحلة تأمين المنافذ المحلية لتأمين وصول البضائع الأساسية، إلى المساهمة الفاعلة في ملكية وتشغيل شبكات النقل والخدمات اللوجستية العالمية عبر القارات.
توسع الاستثمارات البحرية والتشغيل الدولي
تتوزع الاستثمارات السعودية في قطاع النقل البحري عبر عدة شراكات واستحواذات استراتيجية، تشمل:
- امتلاك صندوق الاستثمارات العامة حصة تبلغ نحو 10.2% في شركة “هاباج لويد” الألمانية، التي تعد من كبرى شركات نقل الحاويات عالمياً.
- إعلان شركة “البحري” السعودية في عام 2024 عن شراء تسع ناقلات نفط عملاقة في صفقة بلغت قيمتها نحو 999 مليون دولار لتعزيز قدراتها التشغيلية والاستراتيجية.
- حصول شركة “محطة بوابة البحر الأحمر” السعودية على عقد امتياز لمدة 22 عاماً لتطوير وتشغيل محطة “باتينغا” للحاويات في بنغلاديش، باستثمارات معلنة تصل إلى 170 مليون دولار، لنقل خبراتها التشغيلية المكتسبة من ميناء جدة الإسلامي إلى جنوب آسيا.
الاستحواذات الجوية وإدارة المطارات العالمية
امتدت الاستثمارات اللوجستية السعودية لتشمل قطاع الطيران والشحن الجوي الدولي عبر خطوات رئيسية:
- أتمت شركة “سال” السعودية للخدمات اللوجستية في أغسطس 2026 استحواذها الكامل على شركة “أفيابارتنر لييج” البلجيكية مقابل نحو 120 مليون ريال، لتؤسس أول حضور تشغيلي لها خارج المملكة وتوسع شبكتها إلى 20 محطة. وتنشط الشركة المستحوذ عليها في مطار “لييج” الذي يصنف خامس أكبر مركز للشحن الجوي في أوروبا بمناولة تتجاوز مليون طن سنوياً.
- استحوذت شركة “أفيليس” المملوكة لصندوق الاستثمارات العامة على نشاط تمويل وتأجير الطائرات التابع لبنك “ستاندرد تشارترد” بصفقة بلغت قيمتها 3.6 مليارات دولار، لتضيف إلى أشكال عملها محفظة عالمية تضم أكثر من مائتي طائرة تتعامل مع نحو خمسين شركة طيران.
- يمتلك صندوق الاستثمارات العامة حصة تقارب 15% في الشركة القابضة المالكة لمطار “هيثرو” في العاصمة البريطانية لندن.
من ميناء العقير إلى شبكات النقل العالمي
يعكس هذا التطور فارقاً كبيراً مقارنة بوضع المملكة عام 1932، حين كان ميناء العقير على ساحل الأحساء يمثل البوابة البحرية الرئيسية والوحيدة للوصول إلى نجد وتأمين الغذاء والدواء ومواد البناء. وكانت المياه الضحلة للميناء تمنع السفن الكبيرة من الرسو مباشرة، مما كان يتطلب نقل الحمولات إلى قوارب صغيرة ثم نقلها برياً في رحلات شاقة وطويلة.
واليوم، تحولت الجغرافيا السعودية من عائق مساحات شاسعة وطرق شاقة إلى فرصة استراتيجية تربط بين آسيا وإفريقيا وأوروبا، حيث تسعى المملكة من خلال شركاتها الوطنية وصناديقها الاستثمارية إلى إدارة وتشغيل المطارات والموانئ والأساطيل الدولية والمشاركة الفاعلة في سلاسل الإمداد العالمية.


