في خطوة دبلوماسية تؤكد على عمق التطور في العلاقات السعودية العراقية، استضافت المملكة العربية السعودية اجتماعاً رفيع المستوى جمع بين وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان، ونائب رئيس مجلس الوزراء وزير خارجية جمهورية العراق الدكتور فؤاد حسين. وأسفر اللقاء عن تأكيد عراقي قاطع بالالتزام بعدم السماح باستخدام أراضيه أو أجوائه كنقطة انطلاق لأي أعمال عدائية تستهدف أمن واستقرار المملكة ودول المنطقة.
صفحة جديدة في العلاقات السعودية العراقية
يأتي هذا التعهد ليتوج مساراً من التقارب الدؤوب بين الرياض وبغداد خلال السنوات الأخيرة، والذي يمثل تحولاً جذرياً بعد عقود من الفتور والقطيعة التي أعقبت الغزو العراقي للكويت عام 1990. لقد عمل البلدان بجدية على طي صفحة الماضي وإعادة بناء جسور الثقة، وهو ما تجلى في تأسيس مجلس التنسيق السعودي العراقي في عام 2017، الذي أصبح المظلة الرئيسية لتطوير التعاون في كافة المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية والثقافية. كما شكلت إعادة افتتاح منفذ جديدة عرعر الحدودي في عام 2020 علامة فارقة، إذ أعادت شريان الحياة الاقتصادي والاجتماعي بين الشعبين الشقيقين.
هذا الاجتماع الأخير لا يمثل مجرد لقاء بروتوكولي، بل هو تأكيد على الرؤية المشتركة للقيادتين بضرورة بناء شراكة استراتيجية تقوم على أسس الاحترام المتبادل للسيادة الوطنية، وحسن الجوار، والمصالح المشتركة، مما يساهم في تعزيز الأمن الإقليمي بشكل مباشر.
أبعاد استراتيجية لتعهد بغداد
يحمل التزام العراق الصريح بأمن السعودية أبعاداً استراتيجية بالغة الأهمية لكلا البلدين والمنطقة بأسرها. فبالنسبة للمملكة، يمثل وجود عراق مستقر ومزدهر وذي سيادة كاملة عمقاً استراتيجياً وحليفاً رئيسياً في مواجهة التحديات الأمنية، ويساهم في تأمين حدودها الشمالية الطويلة. أما بالنسبة للعراق، فإن تعزيز علاقاته مع محيطه العربي، وعلى رأسه المملكة، يوفر له دعماً سياسياً واقتصادياً حيوياً، ويساعده على تحقيق التوازن في علاقاته الإقليمية، وجذب الاستثمارات اللازمة لمشاريع إعادة الإعمار والتنمية.
على الصعيد الإقليمي، يبعث هذا التقارب رسالة واضحة مفادها أن لغة الحوار والتعاون هي السبيل الأمثل لحل الخلافات وتحقيق الاستقرار. إن التنسيق الأمني بين الرياض وبغداد يحد من قدرة الجماعات المتطرفة والتنظيمات الإرهابية على استغلال أي فراغات أمنية، ويضعف من نفوذ الأطراف الخارجية التي تسعى لزعزعة استقرار المنطقة واستخدام العراق كساحة لتصفية الحسابات.
نحو مستقبل مشترك من الاستقرار والازدهار
لم يقتصر الاجتماع على الجوانب الأمنية فحسب، بل ناقش الجانبان سبل تعزيز العلاقات الأخوية في مختلف المجالات، ومتابعة مستجدات الأوضاع في المنطقة والقضايا ذات الاهتمام المشترك. وقد شدد الطرفان على أهمية دعم أمن العراق واستقراره، وتقوية مؤسساته الوطنية، ومواصلة التنسيق والتعاون الثنائي بما يخدم المصالح المشتركة ويصون أمن المنطقة واستقرارها. إن هذا التوافق يفتح الباب واسعاً أمام مشاريع تكامل اقتصادي كبرى، مثل مشروع الربط الكهربائي، وزيادة التبادل التجاري، مما يعود بالنفع المباشر على شعبي البلدين ويرسخ أسس مستقبل مشترك قائم على السلام والازدهار.


