في خطوة تعكس عمق العلاقات الثنائية وتطور الشراكة السعودية الهندية، أوفدت الحكومة الهندية مستشار الأمن القومي، أجيت دوفال، لإجراء مباحثات مستفيضة مع كبار المسؤولين في المملكة العربية السعودية. تأتي هذه الزيارة لتؤكد على الدور المحوري الذي تلعبه الرياض كلاعب رئيس في إحلال السلام بالمنطقة، ولتعزيز التعاون المشترك في مواجهة التحديات العالمية الراهنة.
أبعاد الشراكة السعودية الهندية في ظل التحديات الجيوسياسية
تعود الجذور التاريخية للعلاقات بين الرياض ونيودلهي إلى عقود من التبادل التجاري والثقافي الوثيق، إلا أن السنوات الأخيرة شهدت تحولاً جذرياً نحو مأسسة هذه العلاقات وتعميقها. وقد توجت هذه الجهود بتأسيس مجلس الشراكة الإستراتيجية في عام 2019، والذي نقل التعاون من مجرد تبادل تجاري ونفطي إلى آفاق أرحب تشمل التنسيق الأمني والسياسي والاقتصادي. وفي هذا السياق، التقى دوفال بوزير الطاقة الأمير عبدالعزيز بن سلمان، حيث ناقشا أزمة الطاقة العالمية وحرية الملاحة البحرية، بالإضافة إلى ملف العلاقات النفطية والجهود المبذولة لدعم أمن الطاقة واستقرار إمداداتها.
التنسيق الأمني والسياسي لإحلال السلام بالمنطقة
على الصعيد الإقليمي والدولي، تبرز أهمية هذا التنسيق المشترك في ظل التوترات التي تشهدها الممرات المائية الحيوية. وقد التقى مستشار الأمن القومي الهندي خلال زيارته بوزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان، حيث جرى استعراض تطورات الأوضاع في المنطقة وضرورة إيجاد حلول سلمية لقضاياها. كما بحث دوفال مع نظيره السعودي الدكتور مساعد العيبان جملة من المواضيع ذات العلاقة بالجوانب الأمنية وسبل تعزيز الشراكة الإستراتيجية بين البلدين. إن هذا التنسيق ينعكس إيجاباً على الاستقرار الإقليمي، ويضمن أمن خطوط الإمداد التي تغذي الاقتصاد العالمي.
تصريحات السفير الهندي: توافق الرؤى حول أمن الملاحة
وفي تصريحات خاصة لـ«عكاظ»، أوضح السفير الهندي لدى الرياض، الدكتور سهيل خان، أن نيودلهي متناغمة تماماً مع الرياض حيال مجمل تطورات الأوضاع في المنطقة وإيجاد حلول سلمية لها. وأكد أن نتائج لقاءات مستشار الأمن القومي الهندي مع كبار المسؤولين السعوديين كانت إيجابية للغاية ومثمرة، وتم التأكيد خلالها على ضرورة تعضيد التعاون في جميع المجالات. وأشار السفير إلى أن زيارة أجيت دوفال، التي تعد الثانية إلى السعودية خلال شهرين، تأتي في إطار تطوير المشاورات السياسية والأمنية بين البلدين.
تأمين إمدادات الطاقة العالمية ومضيق هرمز
واستنكر السفير الهندي الاعتداءات التي تعرضت لها المملكة أخيراً واصفاً إياها بغير المبررة إطلاقاً، ومرحباً بالمبادرات السعودية لإحلال السلام والأمن في المنطقة ودعم الحلول الدبلوماسية لأزمات الإقليم. وشدد على أن الهند شريك أساسي للمملكة في إيجاد حلول سلمية لقضايا المنطقة، مطالباً بحرية الملاحة في مضيق هرمز وعدم التصعيد. وأضاف أن زيارة دوفال عكست أبعاداً تتجاوز الطابع الثنائي التقليدي، لتلامس تحولات أعمق في مشهد أمن الطاقة العالمي. فالهند، بوصفها واحدة من أكبر مستهلكي الطاقة في العالم، تدرك أن استقرار إمدادات النفط لا يمكن فصله عن التعاون الوثيق مع المملكة، التي تمثل ركيزة أساسية في توازن الأسواق النفطية العالمية.
مستقبل التعاون الاقتصادي لاحتواء الأزمات
من هذا المنطلق، تأتي المباحثات في توقيت بالغ الحساسية، حيث تتقاطع أزمة الطاقة العالمية مع تحديات جيوسياسية متزايدة، لا سيما ما يتعلق بأمن الممرات البحرية الحيوية. والنقاش حول حرية الملاحة البحرية يعكس قلقاً مشتركاً من أي اضطرابات محتملة في خطوط الإمداد، خصوصاً في مناطق إستراتيجية مثل مضيق هرمز التي تشكل شرياناً رئيسياً لتدفق النفط العالمي. أما على مستوى العلاقات النفطية، فإن الحوار بين الجانبين يندرج ضمن مساعي أوسع لتعزيز الشراكة الإستراتيجية، سواء عبر استقرار الإمدادات أو تنويع مجالات التعاون في قطاع الطاقة، بما يشمل الاستثمارات المشتركة والتقنيات الحديثة.
ويمكن قراءة هذه الزيارة كمؤشر إلى تقارب متنامٍ بين الرياض ونيودلهي في ملفات الطاقة والأمن، حيث لم تعد العلاقة محصورة في تبادل النفط، بل باتت تمتد إلى تنسيق أعمق يهدف إلى احتواء تداعيات الأزمات العالمية وضمان استدامة أسواق الطاقة. يذكر أن مستشار الأمن القومي الهندي كان قد وصل إلى المملكة وكان في استقباله لدى وصوله وكيل وزارة الخارجية للشؤون السياسية سعود الساطي.


