أشاد وزير المالية اللبناني، ياسين جابر، بالدور المحوري والمخلص الذي تلعبه المملكة العربية السعودية في سبيل وقف الحرب على لبنان، مؤكداً أن الرياض توظف ثقلها الدبلوماسي وتأثيرها الدولي الواسع لتحقيق الاستقرار في المنطقة. جاء ذلك خلال حوار خاص أجرته معه صحيفة «عكاظ»، حيث سلط الضوء على التحركات الدولية المكثفة، بما في ذلك دور الولايات المتحدة الأمريكية والضغوط التي يمارسها الرئيس دونالد ترمب وإدارته للوصول إلى وقف فوري لإطلاق النار، مشيراً إلى وجود إرادة دولية جادة للوقوف إلى جانب الدولة اللبنانية ومنع تمدد الاعتداءات التي تتعرض لها أراضيها.
الجذور التاريخية والجهود الدبلوماسية من أجل وقف الحرب على لبنان
لفهم السياق العام للتحركات الحالية، لا بد من العودة إلى الخلفية التاريخية للعلاقات السعودية اللبنانية. لطالما شكلت المملكة العربية السعودية صمام أمان للبنان في أحلك ظروفه، ولعل أبرز محطة تاريخية هي رعايتها لاتفاق الطائف عام 1989، الذي أنهى حرباً أهلية دامت سنوات طويلة وأسس لمرحلة من السلم الأهلي وإعادة الإعمار. واليوم، تأتي المساعي السعودية امتداداً لهذا الإرث التاريخي، حيث تدرك الرياض أن استقرار لبنان هو جزء لا يتجزأ من استقرار منطقة الشرق الأوسط بأكملها. إن الجهود المبذولة حالياً لإنهاء النزاع لا تقتصر على الحلول المؤقتة، بل تهدف إلى إرساء دعائم سلام مستدام يمنع انزلاق البلاد نحو فوضى شاملة.
التداعيات الإقليمية وأهمية الالتزام الميداني والسياسي
إن أهمية الحدث وتأثيره المتوقع تتجاوز الحدود المحلية لتشمل الساحتين الإقليمية والدولية. فاستمرار النزاع يهدد أمن المنطقة ويزيد من حدة الاستقطاب. وفيما يخص الوضع الميداني، أوضح جابر أن هناك محاولات لبنانية رسمية حثيثة لتأكيد التزام البلاد التام بوقف إطلاق النار طوال الأشهر الـ 15 التي أعقبت الاتفاقات السابقة. ولفت الانتباه إلى التحديات التي تواجه المؤسسة العسكرية، مبيناً أن الجيش اللبناني لم يتلق الدعم اللوجستي والمادي الكافي لتنفيذ المهمات الأمنية الموكلة إليه بكفاءة تامة. وشدد على أن نجاح أي هدنة في المرحلة الحالية يبقى مرهوناً بالالتزام المتبادل من قبل جميع الأطراف المعنية.
وفي سياق تعزيز العلاقات الثنائية، أشاد الوزير بزيارة الموفد من رئيس مجلس النواب نبيه بري، الوزير علي حسن خليل، إلى المملكة العربية السعودية. ووصف هذه الزيارة بأنها “جيدة” وتعكس متانة العلاقات بين البلدين. كما أكد رهانه على الدور الإيجابي الذي يلعبه رئيس البرلمان لتهدئة الأوضاع، مثمناً البيان الصادر لوقف التظاهرات والاستفزازات في الشارع، والتي تتزامن مع جهود حكومية دقيقة لتجاوز هذه المرحلة الحرجة بأقل الخسائر الممكنة.
خسائر اقتصادية مهولة وتدمير ممنهج للبنية التحتية
على الصعيد الاقتصادي والإنساني، كشف الوزير عن حجم الأضرار الكارثية التي خلفتها الآلة العسكرية. وأشار إلى أن التقديرات الأولية التي أجراها البنك الدولي بالتعاون مع مركز البحوث العلمية، بالاعتماد على تقنيات المسح المتقدمة عبر الأقمار الاصطناعية والذكاء الاصطناعي، أظهرت خسائر فادحة بلغت نحو 1.5 مليار دولار خلال الأسابيع الثلاثة إلى الأربعة الأولى فقط من التصعيد. وحذر من أن هذه الأرقام ستكون “مهولة” وصادمة عند التوصل إلى تسوية نهائية وإجراء مسح شامل.
وأوضح أن هناك تدميراً تدريجياً وممنهجاً طال نحو 55 قرية ومدينة في الجنوب اللبناني، مؤكداً أن مدينة بنت جبيل التاريخية باتت “ممسوحة بالكامل”. هذا بالإضافة إلى الدمار الواسع الذي لحق بالضاحية الجنوبية لمناطق عدة، والخسائر التي طالت العاصمة بيروت خصوصاً خلال أحداث يوم الأربعاء، ناهيك عن الخسائر البشرية الفادحة التي لا يمكن تعويضها بأي ثمن.
أزمة التمويل واستقرار سعر الصرف في ظل التحديات
تتزامن هذه الحرب مع أزمة اقتصادية ومالية غير مسبوقة يعيشها لبنان منذ أواخر عام 2019، مما يضاعف من صعوبة المشهد. وأوضح جابر أن الرقم المتداول حول خسائر بقيمة 7 مليارات دولار يمثل في الواقع كلفة إعادة الإعمار الخاصة بحرب عام 2024 التي استمرت 66 يوماً، معرباً عن أسفه لعدم التمكن من تأمين تلك الأكلاف بالكامل حتى اليوم. وأكد أن الأعباء تتضخم حالياً في ظل غياب أي شبكة أمان مالية لتغطية تكاليف الإعمار ولو عن الحرب السابقة.
وفيما يتعلق بالمساعدات الدولية، أشار إلى أهمية التضامن مع لبنان خلال اجتماعات الربيع مع صندوق النقد الدولي، لكنه لفت إلى عدم توفر أموال كافية حتى ضمن “برنامج الطوارئ”، نظراً لعدم انطباق معاييره على الحالة اللبنانية، فضلاً عن تعثر التوصل حتى الآن لاتفاق نهائي على برنامج مع الصندوق. وكبديل مؤقت، كشف عن مناقشات مع البنك الدولي لتحويل جزء من القروض السابقة لدعم شبكات الأمان الاجتماعي، إلى جانب تخصيص قرض بقيمة 250 مليون دولار وقرض آخر من وكالة التنمية الفرنسية (AFP) لإعادة إعمار الجسور التي دمرتها الحرب.
مالياً، ورغم تراجع إيرادات الخزينة بنسبة 40% في شهر مارس الماضي والضغط المتوقع على ميزان المدفوعات إذا استمرت الحرب، طمأن الوزير اللبناني بأن الآلية التي يعمل عليها مصرف لبنان بالتعاون مع شركة «سليم خليل» وعدد من المصارف نجحت في الحفاظ على استقرار سعر الصرف. وأكد عدم وجود خوف من أي اهتزاز في المدى القريب والمتوسط، مشدداً على التزام هذه الآلية بالمعايير الدولية لمكافحة غسل الأموال، والعمل الحثيث لتقليص حجم الاقتصاد النقدي الذي يهدد النظام المالي.


