شهدت العلاقات السعودية الكندية تحولاً تاريخياً بارزاً مع ختام الزيارة الرسمية التي قام بها دولة رئيس وزراء كندا، مارك كارني، إلى المملكة العربية السعودية في الفترة من 8 إلى 10 يوليو 2026 (الموافق 23-25 محرم 1448هـ)، تلبية لدعوة كريمة من صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء. وتوجت هذه الزيارة بصدور بيان مشترك يعلن عن تأسيس مجلس تنسيقي رفيع المستوى، يهدف إلى دفع عجلة التعاون الثنائي في مجالات الاقتصاد، والدفاع، والطاقة، والاستثمار، بما يخدم المصالح المشتركة للبلدين الصديقين.
مسار تاريخي متجدد يجمع الرياض وأوتاوا
تستند الشراكة بين المملكة العربية السعودية وكندا إلى إرث تاريخي ممتد لأكثر من خمسة عقود من التعاون الدبلوماسي والاقتصادي. وقد شهدت الآونة الأخيرة زخماً كبيراً يعكس رغبة القيادتين في تعميق الروابط الثنائية وتجاوز التحديات التقليدية لبناء شراكة مستقبلية مرنة. وتأتي هذه الخطوات لتتكامل بشكل مباشر مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 الساعية لتنويع الاقتصاد وجذب الاستثمارات العالمية، بالتوازي مع أجندة النمو الاقتصادي الكندي الطموحة.
مجلس التنسيق المشترك: ركيزة جديدة لتطوير العلاقات السعودية الكندية
في خطوة استراتيجية لتأطير العمل المشترك، اتفق الجانبان على تأسيس “مجلس التنسيق السعودي-الكندي” برئاسة وزيري خارجية البلدين. وسيعمل هذا المجلس كمنصة رئيسية لتنسيق المواقف السياسية وتطوير التعاون في القطاعات الدفاعية، والأمنية، والتجارية، والثقافية، والتعليمية. كما تم إطلاق “وثيقة العمل المشتركة” لتكون بمثابة خارطة طريق واضحة تدعم أعمال المجلس وتضمن استدامة النتائج الملموسة على أرض الواقع.
وعلى الصعيد الاقتصادي، أشاد الطرفان بالنمو المستمر في حجم التبادل التجاري الثنائي الذي تجاوز حاجز 20 مليار دولار أمريكي منذ عام 2020. ولتعزيز هذا النمو، انطلقت المفاوضات الرسمية لتجنب الازدواج الضريبي، مع السعي لاستكمال اتفاقية حماية وتشجيع الاستثمار بحلول مطلع عام 2027. كما رحبت المملكة بالاهتمام المتزايد من المستثمرين الكنديين، في حين دعت كندا المستثمرين السعوديين لحضور القمة الاستثمارية الأولى المقررة في تورنتو في سبتمبر 2026.
شراكة استراتيجية في قطاعات الدفاع والطاقة والذكاء الاصطناعي
لم تقتصر المباحثات على الجوانب التجارية التقليدية، بل امتدت لتشمل قطاعات المستقبل الحيوية. حيث وقع الجانبان مذكرة تفاهم للتعاون في مجال الطاقة، شملت مشاريع الغاز الطبيعي المسال، والطاقة المتجددة، والهيدروجين، وتقنيات إدارة الكربون. وفي قطاع التعدين، نوه البيان بحصول الشركات الكندية على الحصة الأكبر من رخص الاستكشاف التعديني في المملكة، مما يفتح آفاقاً واسعة للتعاون الصناعي المتقدم.
وفي الشق الدفاعي والأمني، أكد البلدان التزامهما بتعزيز التنسيق المشترك لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة العابرة للحدود، وتطوير التعاون في مجال الأمن السيبراني. كما تم توقيع مذكرة تفاهم للاستثمار في الذكاء الاصطناعي وتنمية المهارات والتدريب المتقدم، إلى جانب بحث فرص التعاون في مجالات الصحة العامة، والتكنولوجيا الحيوية، والصناعات الدوائية.
مواقف سياسية موحدة تجاه القضايا الإقليمية والدولية
على الصعيد السياسي والأمن الإقليمي، أدان الجانبان بأشد العبارات الهجمات الإيرانية التي استهدفت السفن التجارية في مضيق هرمز في يوليو 2026، مؤكدين أن هذه الاعتداءات تقوض أمن الملاحة الدولية وإمدادات الطاقة العالمية وتخالف القوانين والأعراف الدولية وقرار مجلس الأمن رقم 2817. وشدد الطرفان على ضرورة استعادة الملاحة الآمنة وغير المقيدة في المضيق وفقاً للقانون الدولي.
وفيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، أكد الجانبان على أهمية الإيصال العاجل للمساعدات الإنسانية وحماية المدنيين في قطاع غزة، مجددين دعمهم الكامل لحل الدولتين وحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة، حيث رحبت المملكة رسمياً باعتراف كندا بدولة فلسطين. كما تطرق البيان إلى الملفين اليمني والسوداني، مؤكداً على أهمية الحلول السياسية الشاملة للحفاظ على سيادة الدول واستقرار المنطقة.
تنسيق رياضي وثقافي في المحافل الدولية
أشاد البيان بالروابط الثقافية والرياضية المتنامية بين البلدين، لاسيما مع مشاركة كندا في استضافة بطولة كأس العالم لكرة القدم الحالية، وتطلع المملكة لاستضافة الحدث العالمي ذاته في عام 2034. كما هنأ رئيس الوزراء الكندي القيادة السعودية بفوز الرياض باستضافة معرض إكسبو 2030، مؤكداً مشاركة كندا الفعالة في هذا المحفل الدولي لإبراز الابتكارات الكندية والمساهمة في نجاح رؤية السعودية 2030.


