تشهد العلاقات السعودية الكندية مرحلة جديدة من التطور والنمو المتسارع على كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية. وتأتي زيارة رئيس الوزراء الكندي مارك كارني إلى المملكة العربية السعودية لتؤكد عمق التنسيق المشترك وتقدير الحكومة الكندية للدور المحوري الذي يلعبه صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، في تعزيز الاستقرار الإقليمي والدولي، وبناء جسور التعاون الاقتصادي بين البلدين كعضوين بارزين في مجموعة العشرين.
السياق التاريخي وتطور العلاقات السعودية الكندية
تأسست العلاقات الثنائية بين الرياض وأوتاوا على أسس متينة من المصالح المشتركة والاحترام المتبادل منذ عقود. ورغم بعض التحديات الدبلوماسية العابرة التي شهدتها السنوات الماضية، إلا أن البلدين نجحا في عام 2023 في استعادة التمثيل الدبلوماسي الكامل وإعادة العلاقات إلى مسارها الطبيعي. ويمثل هذا التطور التاريخي رغبة صادقة من القيادتين في استثمار الإمكانات الهائلة المتاحة لدى الجانبين، وتنسيق المواقف تجاه القضايا العالمية الملحة مثل أمن الطاقة، التغير المناخي، ومكافحة الإرهاب، مما يعزز من ثقل البلدين على الساحة الدولية والإقليمية.
شراكة استثمارية واعدة تدعم رؤية المملكة 2030
تعد الجوانب الاقتصادية والاستثمارية أحد أهم ركائز التعاون بين البلدين. وفي هذا الإطار، أعلن اتحاد الغرف السعودية في عام 2024 عن تشكيل إداري جديد لمجلس الأعمال السعودي الكندي، بهدف تعزيز الروابط بين قطاعات الأعمال والشركات في البلدين. كما تم افتتاح مكتب لاتحاد الغرف السعودية في مدينة تورونتو الكندية لتسهيل حركة الاستثمارات وتنظيم الوفود التجارية.
وقد بلغت العلاقات الاقتصادية ذروتها مع استضافة الرياض في يناير 2026 لملتقى الأعمال والاستثمار السعودي الكندي، والذي شهد توقيع 6 مذكرات تفاهم بقيمة تقارب 600 مليون دولار شملت قطاعات حيوية مثل الاتصالات، تقنية المعلومات، الأمن السيبراني، والتعليم.
أرقام ومؤشرات تعكس قوة التبادل التجاري
تترجم الأرقام الرسمية حجم التطور المستمر في الشراكة الاقتصادية؛ حيث بلغ حجم التبادل التجاري بين المملكة وكندا في عام 2025 نحو 2.909 مليار دولار. وسجلت الصادرات السعودية إلى كندا حوالي 1.719 مليار دولار، في حين بلغت الواردات السعودية من كندا 1.190 مليار دولار. وتوفر رؤية المملكة 2030 بيئة خصبة لجذب المزيد من الشركات الكندية، حيث توجد حالياً نحو 767 شركة كندية تمتلك مكاتب إقليمية ومقرات رئيسية داخل المملكة للاستثمار في مجالات الذكاء الاصطناعي، التعدين، والطاقة النظيفة.
التعاون الثقافي والتعليمي وبناء الكفاءات البشرية
لا يقتصر التعاون بين البلدين على الجوانب السياسية والاقتصادية فحسب، بل يمتد ليشمل قطاعي التعليم والصحة. وقد حقق برنامج الابتعاث الطبي السعودي إلى كندا قفزة تاريخية؛ إذ بلغ إجمالي الأطباء السعوديين الخريجين والمبتعثين في كندا خلال الفترة من 2020 إلى 2025 نحو 1,984 طبيباً وطبيبة. وسجلت أعداد الخريجين نمواً قياسياً بنسبة 256%، مرتفعة من 170 خريجاً في عام 2020 إلى 606 خريجين في عام 2025، مما يؤكد عمق الروابط الإنسانية والأكاديمية التي تجمع الشعبين الصديقين.


