في عالم ما تزال فيه معاناة المرض تتجاوز حدود الجسد لتلامس كرامة الإنسان وحقه في الحياة، تبرز جهود المملكة العربية السعودية كنموذج مضيء في مساعدة الإنسان أينما كان. وفي إطار هذه الجهود، تواصل المملكة ريادتها في دعم القطاع الصحي الدولي، جاعلة من الصحة جسراً للأمل ونافذة للنجاة. وتتجلى هذه الرسالة النبيلة خاصة مع الاحتفاء بيوم الصحة العالمي، حيث لا يُنظر إلى الرعاية الصحية على أساس الجنس أو العرق، بل كحق أصيل ومسؤولية إنسانية تعيد للمتضررين عافيتهم وتمنحهم فرصة جديدة لمواصلة الحياة بكرامة.
الجذور التاريخية للعطاء السعودي الإنساني
لم يكن الدعم السعودي للعمل الإنساني وليد اللحظة، بل هو امتداد لتاريخ طويل من العطاء المتأصل في سياسة المملكة منذ تأسيسها. وقد تبلورت هذه الجهود بشكل مؤسسي واحترافي مع تأسيس مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية في عام 2015، بتوجيه كريم من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز. جاء هذا التأسيس بهدف توحيد مسيرة العمل الإغاثي السعودي وتقديم المساعدات وفق أعلى المعايير الدولية، مما جعل المملكة في مصاف الدول المانحة عالمياً، وخاصة في المجالات الطبية التي تمس حياة الفئات الأكثر ضعفاً.
إنجازات بالأرقام في القطاع الصحي الدولي
انطلاقاً من هذا الإرث الإنساني، نفذت المملكة العربية السعودية 2,247 مشروعاً تنموياً وإنسانياً وتطوعياً لدعم القطاع الصحي الدولي في العديد من الدول حول العالم. وقد تجاوزت القيمة الإجمالية لهذه المشاريع 6 مليارات و488 مليون دولار أمريكي. ومن بين هذه الإسهامات، قدم مركز الملك سلمان للإغاثة 1,953 مشروعاً إنسانياً وتطوعياً بقيمة تخطت مليارين و259 مليون دولار، مما يعكس التزام المملكة الراسخ بتخفيف المعاناة البشرية.
برامج طبية نوعية ومبادرات عالمية
أسهم مركز الملك سلمان للإغاثة بشكل محوري في دعم الأنظمة الصحية العالمية، لا سيما أثناء جائحة كورونا (كوفيد-19)، عبر تأمين الأجهزة والمستلزمات الطبية الوقائية. كما أطلق المركز برامج صحية نوعية، منها برنامج الأطراف الصناعية في اليمن وسوريا، وبرنامج «نور السعودية» لمكافحة العمى، و«نبض السعودية» لأمراض وجراحة القلب، و«حياة السعودية» لمساعدة متضرري الزلازل في سوريا وتركيا، بالإضافة إلى برنامج «سمع السعودية» الذي يُعد أكبر حدث إنساني تطوعي لزراعة القوقعة والتأهيل السمعي عالمياً.
وفي خطوة استراتيجية، وقّع المركز على هامش منتدى الرياض الدولي الإنساني الرابع في 2025 اتفاقية تعاون مع منظمة الصحة العالمية بقيمة 300 مليون دولار لاستئصال مرض شلل الأطفال. يهدف هذا الدعم إلى مساندة الجهود الدولية في الدول عالية الخطورة مثل باكستان وأفغانستان، وتوفير اللقاحات والبرامج الوقائية اللازمة.
كما تبرز جهود البرنامج السعودي للتوائم الملتصقة، الذي بدأ باكورة عملياته في عام 1990، كأحد أهم الإنجازات العلمية والإنسانية. وقد نجح البرنامج في إجراء 68 عملية فصل، مقيماً 157 حالة من 28 دولة عبر 5 قارات، مما رسخ مكانة المملكة على خريطة الطب العالمي.
التأثير الإقليمي والدولي للمشاريع الصحية السعودية
إن أهمية هذه المشاريع لا تقتصر على لغة الأرقام، بل تمتد لتشمل تأثيراً عميقاً على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. فعلى المستوى المحلي للمجتمعات المستفيدة، تساهم هذه المشاريع في إنقاذ الأرواح وإعادة بناء البنية التحتية الصحية المنهارة. وإقليمياً، تلعب المملكة دوراً حيوياً في استقرار الأمن الصحي في دول تعاني من أزمات وصراعات مثل السودان، الصومال، سوريا، واليمن. أما دولياً، فإن الشراكات الاستراتيجية مع منظمات أممية كمنظمة الصحة العالمية تعزز من قدرة المجتمع الدولي على مواجهة الأوبئة والأمراض المستعصية، مما يجعل المملكة ركيزة أساسية في تحقيق أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة.
يُذكر أن مركز الملك سلمان للإغاثة، ومنذ إنشائه، قد نفذ 4,234 مشروعاً إنسانياً وإغاثياً في مختلف القطاعات الحيوية، شملت 113 دولة، بتكلفة إجمالية تتجاوز 8 مليارات و350 مليون دولار أمريكي، ليواصل بذلك حمل رسالة المملكة النبيلة في بناء عالم أكثر صحة وعدلاً وإنسانية.


