في إنجاز لافت يعكس تسارع وتيرة التحول الرقمي في المملكة، حققت السعودية المركز الثاني عالميًا، بعد الولايات المتحدة الأمريكية، ضمن قائمة أكثر الأسواق جاذبية لمراكز البيانات. هذا التصنيف المتقدم لا يمثل مجرد رقم في مؤشر دولي، بل هو تتويج لجهود استراتيجية ضخمة واستثمارات نوعية رسخت مكانة المملكة كقوة صاعدة في الاقتصاد الرقمي العالمي، وعززت بشكل كبير من جاذبية أسواق مراكز البيانات السعودية للمستثمرين الدوليين.
يأتي هذا التقدم في سياق عالمي يشهد طلبًا غير مسبوق على البنية التحتية الرقمية، مدفوعًا بالنمو الهائل في الحوسبة السحابية، والذكاء الاصطناعي، وإنترنت الأشياء. تاريخيًا، تركزت استثمارات مراكز البيانات في أسواق ناضجة بأمريكا الشمالية وأوروبا، لكن الضغط المتزايد على موارد الطاقة والأراضي في تلك المناطق دفع عمالقة التكنولوجيا والمستثمرين للبحث عن وجهات جديدة تجمع بين المقومات الأساسية والبيئة الداعمة للنمو، وهو ما وجدوه في المملكة العربية السعودية.
رؤية 2030: المحرك الأساسي للتحول الرقمي
يُعد هذا الإنجاز أحد أبرز ثمار رؤية السعودية 2030، التي وضعت التحول الرقمي وتنويع الاقتصاد على رأس أولوياتها. فمن خلال مبادرات وبرامج متعددة، عملت المملكة على تهيئة بيئة تشريعية وتنظيمية مرنة، وتطوير بنية تحتية رقمية متطورة، وتوفير مصادر طاقة موثوقة ومستدامة، وهي العوامل التي تشكل حجر الزاوية لأي مشروع ناجح في قطاع مراكز البيانات. لقد أدركت القيادة السعودية مبكرًا أن مستقبل الاقتصاد العالمي يعتمد على البيانات، وأن استضافة هذه البيانات ومعالجتها محليًا وإقليميًا يمثل ميزة استراتيجية وأمنية واقتصادية كبرى.
عوامل تعزز جاذبية أسواق مراكز البيانات في المملكة
أظهر تحليل لوكالة “بلومبيرغ” أن توافر الطاقة وتمكين الأراضي يشكلان معًا ما نسبته 58% من جاذبية السوق لمشاريع مراكز البيانات. وتتمتع المملكة بميزة تنافسية هائلة في هذين الجانبين، إلى جانب موقعها الجغرافي الاستراتيجي الذي يربط بين قارات آسيا وأوروبا وأفريقيا، مما يجعلها نقطة ارتكاز مثالية لخدمة أسواق واسعة بكفاءة عالية وزمن وصول منخفض. وتُترجم هذه المزايا إلى نمو متسارع على أرض الواقع، حيث قفزت سعة مراكز البيانات في المملكة من 68 ميجاوات في عام 2021 إلى 440 ميجاوات بحلول عام 2025، بزيادة بلغت 6 أضعاف خلال أربع سنوات فقط.
واليوم، تحتضن المملكة أكثر من 60 مركز بيانات موزعة على مناطق متعددة، مما يعكس اتساع السوق وقدرته على تلبية الطلب المتزايد. وأكد المهندس بسام البسام، قائد مكتب تمكين الذكاء الاصطناعي في وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات، أن هذا الإنجاز “يعكس تنامي مكانة المملكة في قطاع مراكز البيانات، ويؤكد أن ما تحقق في البنية الرقمية، وتوافر الطاقة، وسرعة التطوير، والجهازية التشغيلية، جعل السعودية من أكثر الأسواق قدرة على استقطاب الاستثمارات النوعية”.
تأثير محلي وإقليمي وعالمي
لا يقتصر تأثير هذا النمو على تعزيز مكانة المملكة الدولية، بل يمتد ليحدث أثرًا عميقًا على المستويات المحلية والإقليمية. فعلى الصعيد المحلي، يدعم هذا التوسع توطين التقنية، وخلق وظائف نوعية عالية المهارة، وتسريع تبني التقنيات المتقدمة لدى القطاعين العام والخاص. أما إقليميًا، فإنه يرسخ دور السعودية كمركز رقمي رئيسي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، جاذبًا للشركات الإقليمية والعالمية التي تسعى لتقديم خدماتها في المنطقة. وعالميًا، يساهم هذا التطور في تنويع البنية التحتية الرقمية العالمية، ويعزز ثقة المستثمرين الدوليين في السوق السعودي كوجهة آمنة وموثوقة ومستدامة لبياناتهم وعملياتهم الحيوية.


