في خطوة جديدة لتعزيز الشفافية المالية ومكافحة الجرائم الاقتصادية، كشفت اللائحة التنفيذية المحدثة لنظام مكافحة غسل الأموال في المملكة العربية السعودية عن تعديلات جوهرية، أبرزها إلزام المسافرين القادمين إلى المملكة أو المغادرين منها بضرورة الإفصاح عن الذهب والمجوهرات والمعادن الثمينة التي بحوزتهم إذا تجاوزت قيمتها 40 ألف ريال سعودي، أو ما يعادلها بالعملات الأجنبية.
يأتي هذا القرار ضمن حزمة من التحديثات التي تهدف إلى مواءمة الأنظمة السعودية مع أفضل الممارسات والمعايير الدولية، وتعزيز نزاهة النظام المالي الوطني وحمايته من التدفقات النقدية غير المشروعة.
خلفية القرار وأبعاده الاستراتيجية
لم يأتِ هذا التعديل من فراغ، بل يندرج في سياق الجهود الحثيثة التي تبذلها المملكة لتحقيق مستهدفات رؤية 2030، والتي تضع الشفافية والحوكمة ومكافحة الفساد في صميم أولوياتها. وتعمل السعودية بشكل مستمر على تطوير بنيتها التشريعية لتتوافق مع متطلبات مجموعة العمل المالي (FATF)، وهي المنظمة الدولية التي تضع المعايير العالمية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. إن تشديد الرقابة على حركة الأموال والمعادن الثمينة عبر الحدود يُعد ركيزة أساسية في هذه المنظومة، حيث يساهم في سد الثغرات التي قد تستغلها الشبكات الإجرامية لتهريب الأموال الناتجة عن أنشطة غير قانونية.
تفاصيل الإفصاح عن الذهب والمجوهرات والعقوبات المترتبة
وفقاً للائحة الجديدة، يجب على كل مسافر يحمل سبائك ذهبية، أو معادن ثمينة، أو أحجاراً كريمة، أو مجوهرات مشغولة تتجاوز قيمتها الحد المذكور (40 ألف ريال)، أن يقدم إقراراً جمركياً مكتوباً في المنافذ الحدودية. وأكدت اللائحة على ضرورة إرفاق فواتير الشراء لإثبات القيمة الحقيقية للمقتنيات. وفي حال تبين أن هذه المقتنيات مخصصة لأغراض تجارية ولم يتم التصريح عنها كذلك، فسيتم تطبيق أحكام نظام الجمارك الموحد بحق حاملها.
ولضمان الالتزام، منحت اللائحة هيئة الزكاة والضريبة والجمارك صلاحية حجز أي مبالغ أو معادن ثمينة غير مصرح بها أو يشتبه في ارتباطها بعمليات غسل أموال لمدة تصل إلى 72 ساعة. وتتضمن العقوبات فرض غرامة مالية تتراوح بين 10% و25% من قيمة المضبوطات في حال كانت المخالفة للمرة الأولى، مع عدم وجود شبهة جريمة منظمة. وتتصاعد هذه الغرامة لتصل إلى 50% من القيمة في حال تكرار المخالفة. أما الحالات التي تحوم حولها شبهات ارتباط بغسل أموال أو أي جريمة أصلية أخرى، فيتم إحالتها مباشرة إلى النيابة العامة والإدارة العامة للتحريات المالية لاستكمال الإجراءات النظامية.
تحديثات شاملة تتجاوز المنافذ الحدودية
لم تقتصر التعديلات على إجراءات السفر فقط، بل امتدت لتشمل منظومة العمل المالي والمصرفي بأكملها، حيث اعتمدت اللائحة مبدأ “التقييم المبني على المخاطر”. وبموجب هذا المبدأ، أصبحت المؤسسات المالية والأعمال والمهن غير المالية المحددة، مثل تجار المعادن الثمينة والعقاريين، مطالبة بإجراء تقييمات دورية لمخاطر غسل الأموال المرتبطة بعملائها ومنتجاتها وقنوات تقديم الخدمة لديها. كما شددت اللائحة على إجراءات العناية الواجبة تجاه العملاء، وألزمت المؤسسات بالتحقق من هوية العميل والمستفيد الحقيقي من الحسابات قبل إقامة أي علاقة عمل، مع ضرورة فهم طبيعة نشاطه الاقتصادي ومصدر أمواله بشكل واضح.


