في خطوة تعكس التزام المملكة العربية السعودية بنشر ثقافة السلام والتسامح، برزت تجربة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة كمنارة مضيئة خلال فعاليات الدورة 224 للمجلس التنفيذي لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) المنعقدة في العاصمة الفرنسية باريس. حيث قدمت المملكة هذا الصرح التعليمي العريق كنموذج عالمي رائد يعزز قيم التعايش بين الثقافات المختلفة ويدعم مبادئ المواطنة العالمية، وذلك ضمن إطار مناقشة التوصيات الخاصة بالتربية من أجل السلام وحقوق الإنسان.
الجذور التاريخية وتطور تجربة الجامعة الإسلامية
تأسست الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة بموجب مرسوم ملكي في عام 1961م، لتكون مؤسسة إسلامية عالمية من حيث الغاية، وعربية سعودية من حيث التبعية. ومنذ انطلاقتها، لم تقتصر رسالتها على تقديم العلوم الشرعية والعربية فحسب، بل امتدت لتشمل احتضان التنوع الثقافي والفكري. إن تجربة الجامعة الإسلامية تستند إلى إرث تاريخي طويل من استقبال طلاب العلم من شتى بقاع الأرض، مما جعلها بوتقة تنصهر فيها الفوارق وتتلاقى فيها الحضارات. هذا السياق التاريخي يعكس رؤية المملكة المبكرة في استخدام التعليم كأداة فعالة لبناء جسور التواصل الإنساني، وهو ما يتماشى اليوم مع أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة وتوجهات اليونسكو في تعزيز السلم العالمي من خلال بوابات المعرفة والتربية.
بيئة تعليمية تحتضن 180 دولة ومهرجان للثقافات
أكدت المملكة في كلمتها أمام اليونسكو التزامها الراسخ بنشر ثقافة السلام، والتسامح، والمساواة، وترسيخ احترام الآخر. وتتجلى هذه المبادئ بوضوح في أروقة الجامعة التي تحتضن حالياً طلاباً ينتمون إلى أكثر من 180 دولة حول العالم. هؤلاء الطلاب يعيشون ويدرسون في بيئة تعليمية متكاملة تقوم على التنوع والاحترام المتبادل. ولعل من أبرز الشواهد الحية على نجاح هذا النموذج هو “مهرجان الثقافات والشعوب” السنوي الذي تنظمه الجامعة. يمثل هذا المهرجان تظاهرة ثقافية فريدة تتيح للطلاب استعراض تراث بلدانهم وعاداتهم وتقاليدهم، مما يعزز من لغة الحوار المباشر ويكسر الحواجز النفسية والثقافية، محولاً الاختلاف إلى قوة دافعة للتفاهم والتعاون المشترك.
الأثر المحلي والدولي لجهود المملكة في تعزيز التعايش
لا يقتصر تأثير هذا النموذج التعليمي على النطاق المحلي داخل المملكة، بل يمتد ليترك بصمة إقليمية ودولية واضحة. فالخريجون يعودون إلى بلدانهم كسفراء للسلام والوسطية، مما يساهم في مواجهة التطرف بجميع أشكاله عبر نشر الفكر المعتدل. وإلى جانب المؤسسات التعليمية، استعرضت المملكة جهودها المؤسسية الكبرى في تعزيز الحوار والتفاهم بين الشعوب. ومن أبرز هذه النماذج الوطنية والإقليمية الداعمة لقيم التعايش: المركز العالمي لمكافحة الفكر المتطرف (اعتدال)، ومركز الملك عبدالعزيز للتواصل الحضاري الذي يهدف إلى نشر ثقافة الحوار، بالإضافة إلى المركز الإقليمي للحوار والسلام التابع لليونسكو. تتضافر هذه الجهود مجتمعة لتؤكد أن المملكة تسير بخطى ثابتة نحو تحقيق رؤية شاملة تجعل من التعليم والمؤسسات الفكرية حصوناً منيعة لحماية حقوق الإنسان وضمان استدامة السلم العالمي.


