تواصل المملكة العربية السعودية، بخطوات حازمة وثابتة، تعزيز جهودها في مكافحة التستر التجاري، الذي يُعد أحد أكبر التحديات التي تواجه بيئة الأعمال المحلية. وتأتي هذه الجهود في إطار استراتيجية شاملة تهدف إلى تنظيم السوق، وحماية الاقتصاد الوطني، وتعزيز الشفافية، بما يتماشى مع مستهدفات رؤية 2030. وتقوم الجهات المعنية بتطبيق آليات وتنظيمات صارمة، وإحالة المتورطين في هذه الممارسات غير المشروعة إلى القضاء، لضمان القضاء على هذه الظاهرة التي تضر بالمنافسة العادلة وتعيق نمو المنشآت الصغيرة والمتوسطة.
لم تكن ظاهرة التستر التجاري وليدة اللحظة، بل هي ممارسة تمتد جذورها لسنوات طويلة، حيث يقوم غير السعودي بممارسة نشاط تجاري لحسابه الخاص عن طريق استخدام اسم مواطن سعودي أو مستثمر أجنبي مرخص له، مقابل مبلغ مادي. وقد أدت هذه الممارسة إلى تشوهات هيكلية في الاقتصاد، أبرزها خروج تحويلات مالية ضخمة إلى خارج المملكة، وإضعاف قدرة رواد الأعمال السعوديين على المنافسة، فضلاً عن انتشار سلع وخدمات متدنية الجودة في بعض الأحيان. وإدراكاً لهذه المخاطر، كثفت المملكة جهودها التنظيمية والرقابية لتجفيف منابع هذه الظاهرة من جذورها.
البرنامج الوطني لـ مكافحة التستر التجاري: نقلة نوعية
يمثل “البرنامج الوطني لمكافحة التستر التجاري” الركيزة الأساسية في هذه المواجهة، حيث يتولى مهمة توحيد جهود أكثر من 20 جهة حكومية لضبط المخالفين وسد الثغرات التي كان يستغلها المتسترون. لا يقتصر دور البرنامج على الجانب العقابي فقط، بل يمتد ليشمل جوانب توعوية وتصحيحية، حيث تم إطلاق فترات تصحيحية تتيح للمخالفين تسوية أوضاعهم والاستفادة من المزايا التي يمنحها النظام. وتهدف هذه المقاربة المتكاملة إلى توفير بيئة تجارية نظامية وآمنة، تضمن حقوق المستثمرين السعوديين وتمكّن المواطنين من زيادة فرص ممارسة العمل التجاري والاستثمار، مما يدعم توطين الأنشطة الاقتصادية وخلق وظائف مستدامة.
تشريعات رادعة وتقنيات حديثة لضبط السوق
عززت المملكة إطارها التشريعي بإصدار نظام مكافحة التستر الجديد، الذي فرض عقوبات رادعة تصل إلى السجن لمدة خمس سنوات وغرامات مالية تصل إلى خمسة ملايين ريال، بالإضافة إلى شطب السجل التجاري وإبعاد غير السعوديين المتورطين عن المملكة ومنعهم من العودة للعمل فيها. ولضمان فاعلية التطبيق، تعتمد الجهات الرقابية على أحدث التقنيات وتحليل البيانات والذكاء الاصطناعي لرصد التعاملات المالية المشبوهة وتتبع مصادر الأموال، مما يرفع من كفاءة عمليات الضبط ويحد من قدرة المخالفين على التحايل. إن هذه الإجراءات الصارمة لا تهدف فقط إلى معاقبة المخالفين، بل إلى إرساء بيئة استثمارية واضحة وشفافة، تشجع على المنافسة المشروعة وتجذب الاستثمارات النوعية التي تساهم في تنويع القاعدة الاقتصادية للمملكة.


