بعد أسابيع من التوتر والمواجهات العسكرية التي شملت الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، أتاح وقف إطلاق النار الهش فرصة أولية لتقييم حجم الدمار في إيران، والذي خلف وراءه آلاف القتلى وخسائر اقتصادية فادحة. ومع فرض قيود مشددة على التغطية الإعلامية والوصول إلى الإنترنت داخل البلاد، برزت بيانات الأقمار الصناعية كأداة حاسمة لكشف النقاب عن التكلفة الحقيقية للحرب التي استمرت 14 يومًا، ورسم صورة قاتمة للمشهد في العاصمة طهران وغيرها من المدن الإيرانية.
تعود جذور هذا التصعيد إلى سنوات من التوتر المتصاعد بين إيران والقوى الغربية، لا سيما فيما يتعلق ببرنامجها النووي المثير للجدل، ونفوذها الإقليمي المتزايد عبر دعم جماعات مسلحة في الشرق الأوسط، وسيطرتها على ممرات ملاحية حيوية كمضيق هرمز. وقد وصلت هذه الخلافات إلى ذروتها في مواجهات عسكرية مباشرة، تركت ندوبًا عميقة في البنية التحتية والاقتصاد الإيراني، الذي يعاني أصلاً تحت وطأة العقوبات الدولية.
نظرة من الفضاء: الأقمار الصناعية ترسم خريطة الخراب
في ظل صعوبة الحصول على تقييمات ميدانية دقيقة، لجأ باحثون دوليون إلى تكنولوجيا الاستشعار عن بعد. وكشفت دراسة أجراها باحثون في جامعة ولاية أوريغون، بالاعتماد على صور الرادار التي يمكنها اختراق السحب ورصد التغيرات الهيكلية في المباني، عن تضرر أو تدمير ما لا يقل عن 7645 مبنى في جميع أنحاء إيران خلال فترة القتال. شمل هذا الدمار منشآت حيوية مثل المدارس والمرافق الصحية، مما يعمق الأزمة الإنسانية.
وفي العاصمة طهران وحدها، التي يقطنها حوالي 9 ملايين نسمة، أظهر تحليل لوكالة بلومبيرغ تضرر 2816 مبنى. وتوزعت الأضرار لتشمل قطاعات متنوعة، حيث استحوذت المنشآت العسكرية على النسبة الأكبر (32%)، تليها المنشآت الصناعية (25%)، ثم المباني السكنية (21%)، والمنشآت التجارية (19%)، والمباني الحكومية (2%). يعكس هذا التوزيع استهدافًا واسع النطاق لم يقتصر على الأهداف العسكرية، بل امتد ليطال شريان الحياة الاقتصادية والمدنية للمدينة.
فاتورة باهظة: تداعيات اقتصادية وإنسانية مدمرة
قدرت الحكومة الإيرانية الخسائر الاقتصادية المباشرة بنحو 270 مليار دولار، وهو رقم يقترب من إجمالي الناتج المحلي السنوي للبلاد، مما ينذر بأزمة اقتصادية طويلة الأمد. وتفاقمت هذه الخسائر جراء استهداف البنية التحتية الاستراتيجية، حيث تعرض ميناء بندر عباس الحيوي لهجوم مباشر، بالإضافة إلى أضرار جسيمة لحقت بمجمعات البتروكيماويات في عسلوية ومعشور، والتي تعد مصدرًا رئيسيًا للعملة الصعبة بعد النفط، بعائدات سنوية تتراوح بين 13 و15 مليار دولار.
على الصعيد الإنساني، كانت التكلفة مأساوية. تشير التقديرات الأولية إلى مقتل ما لا يقل عن 3371 شخصًا، من بينهم مدنيون وعسكريون، وإصابة أكثر من 34 ألف آخرين. وفيما لا تزال الخلافات قائمة بين الطرفين حول الملفات الرئيسية، فإن هذه الأرقام تسلط الضوء على الثمن البشري الباهظ للنزاع، وتضع تحديات هائلة أمام أي جهود مستقبلية لإعادة الإعمار وتحقيق الاستقرار في منطقة تعاني من اضطرابات مستمرة.


