أعلنت الشركة السورية للاتصالات عن تعرض الكابل البحري الدولي الذي يربط مدينة طرطوس الساحلية بالإسكندرية في مصر لعملية تخريب كابل بحري متعمدة، مما أدى إلى انقطاع شبه كامل لخدمات الإنترنت وتأثر جودتها بشكل كبير لدى شريحة واسعة من المشتركين في مختلف أنحاء سوريا. وأكدت الشركة في بيانها أن فرقها الفنية بدأت على الفور باتخاذ الإجراءات اللازمة لتقييم الأضرار والبدء بعمليات الإصلاح المعقدة، والتي من المتوقع أن تستغرق وقتاً طويلاً نظراً للطبيعة الحساسة لمثل هذه الأعطال البحرية.
ويأتي هذا الحادث ليزيد من عزلة سوريا الرقمية، حيث تعتمد البلاد بشكل شبه كلي على هذا المسار لتأمين سعات الإنترنت الدولية. وقد وصفت الشركة الحادث بأنه جزء من “حملة تخريب ممنهجة” تستهدف البنية التحتية الحيوية لقطاع الاتصالات في البلاد، والذي تعرض بالفعل لضربات متتالية خلال سنوات النزاع الطويلة.
شريان رقمي حيوي تحت التهديد: أبعاد تخريب كابل بحري
لا يمكن النظر إلى هذا الحادث بمعزل عن سياقه الجيوسياسي المعقد. فالكابلات البحرية لم تعد مجرد بنية تحتية تقنية، بل أصبحت أصولاً استراتيجية ذات أهمية قصوى للأمن القومي والاقتصادي للدول. يمثل الكابل البحري بين طرطوس والإسكندرية، المعروف باسم Aletar (Alexandros-Tartous)، شريان الحياة الرقمي الرئيسي لسوريا، وأي ضرر يلحق به يعني شل حركة البيانات الدولية من وإلى البلاد. هذا الاعتماد على منفذ واحد يجعل البنية التحتية للاتصالات السورية هشة للغاية وعرضة للاستهداف، سواء لأسباب سياسية أو عسكرية.
تاريخياً، شهدت منطقة شرق المتوسط والبحر الأحمر حوادث متكررة لأعطال الكابلات البحرية، بعضها كان نتيجة حوادث عرضية مثل شباك الصيد أو المراسي، ولكن البعض الآخر أثار شبهات حول كونه عملاً متعمداً. إن استهداف هذه الشرايين الرقمية يمكن أن يكون أداة فعالة في الحروب الحديثة لشل اقتصاد العدو وقدرته على التواصل، مما يجعل حماية هذه الكابلات أولوية استراتيجية للدول.
تداعيات تتجاوز الحدود: الأهمية الاستراتيجية للكابلات البحرية
على الرغم من أن مسؤولاً في قطاع الاتصالات المصري أكد عدم تأثر خدمات الإنترنت داخل مصر بالحادث، إلا أن الواقعة تسلط الضوء على الأهمية الاستراتيجية لمصر كمركز عالمي للكابلات البحرية. حيث يمر عبر أراضيها ومياهها الإقليمية عدد كبير من الكابلات التي تربط أوروبا بآسيا والشرق الأوسط. أي اضطراب في هذه المنطقة الحيوية له تداعيات عالمية، وليس فقط إقليمية. إن انقطاع الإنترنت في سوريا لا يؤثر فقط على قدرة المواطنين على التواصل، بل يعطل أيضاً القطاعات الاقتصادية المتبقية، والخدمات المصرفية، والعمليات الحكومية، مما يفاقم الأزمة الإنسانية والاقتصادية التي تعيشها البلاد. عالمياً، تنقل الكابلات البحرية أكثر من 99% من حركة البيانات الدولية، وأي انقطاع واسع النطاق يمكن أن يتسبب في خسائر اقتصادية تقدر بمليارات الدولارات.
جهود الإصلاح وتحديات المستقبل
تعتبر عمليات إصلاح الكابلات البحرية معقدة ومكلفة، وتتطلب سفناً متخصصة وغواصات آلية (ROVs) لتحديد مكان القطع بدقة وإجراء عمليات اللحام الدقيقة تحت الماء. هذه العملية قد تستغرق أسابيع، وربما أشهراً، اعتماداً على عمق المياه والظروف الجوية وتوفر السفن المتخصصة. بالنسبة لسوريا، يمثل هذا تحدياً إضافياً في ظل العقوبات والظروف الاقتصادية الصعبة. ويؤكد هذا الحادث مجدداً على الحاجة الملحة لتنويع مسارات الاتصال الدولية لضمان استمرارية الخدمات وحماية الأمن الرقمي للبلاد في المستقبل.


