شهدت العاصمة الأوكرانية تصعيداً عسكرياً خطيراً أسفر عن سقوط عشرات الضحايا والمصابين، إثر قصف روسي على كييف باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة المستهدفة للمناطق السكنية. وتأتي هذه التطورات الميدانية المتسارعة في وقت تتزايد فيه حدة التوترات الدولية بين حلف شمال الأطلسي (الناتو) وموسكو، وسط مساعٍ أوكرانية حثيثة للحصول على دعم دفاعي جوي عاجل لمواجهة الهجمات المستمرة التي تستهدف البنية التحتية والمدنيين على حد سواء.
تفاصيل المأساة الإنسانية وحصيلة الضحايا في العاصمة
أعلنت السلطات الأوكرانية الرسمية أن الهجمات الأخيرة تسببت في مقتل 22 شخصاً على الأقل، من بينهم 15 قتيلاً سقطوا داخل حدود العاصمة كييف، و7 آخرين في المناطق المحيطة بها. كما أسفر القصف عن إصابة العشرات بجروح متفاوتة الخطورة، ونقل الكثير منهم إلى المستشفيات لتلقي العلاج المستعجل. وأكدت فرق الإنقاذ والدفاع المدني تضرر ما لا يقل عن 30 مبنى سكنياً جراء الشظايا والانفجارات المباشرة، مما خلف دماراً واسعاً في الأحياء المستهدفة وأجبر مئات العائلات على النزوح والبحث عن ملاجئ آمنة.
وفي هذا السياق، وجه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي نداءً عاجلاً إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو)، بالتزامن مع انعقاد اجتماعات الحلف في العاصمة التركية أنقرة، مطالباً باتخاذ قرارات حاسمة وقوية لتعزيز منظومات الدفاع الجوي الأوكرانية لحماية الأجواء من الصواريخ الباليستية والمسيّرات الانتحارية الروسية.
احتكاك جوي وبحري خطير في بحر النرويج
بالتوازي مع العمليات البرية والجوية في أوكرانيا، تشهد الساحة الدولية احتكاكات عسكرية مباشرة تزيد من مخاوف اتساع رقعة الصراع. فقد كشفت وزارة الدفاع البريطانية عن حادثة وصفتها بأنها “غير آمنة وغير مهنية”، تمثلت في اقتراب طائرة استطلاع ودورية بحرية روسية من طراز “Bear-F” بشكل متكرر وغير مبرر من حاملة الطائرات البريطانية “إتش إم إس برينس أوف ويلز” (HMS Prince of Wales) في بحر النرويج.
وأوضحت التقارير البريطانية أن الطائرة الروسية حلقت على ارتفاع منخفض للغاية وألقت عدداً كبيراً من عوامات السونار المخصصة لتتبع واكتشاف الغواصات بالقرب من حاملة الطائرات، التي تقود تشكيلاً بحرياً ضارباً لحلف الناتو في أقصى شمال المحيط الأطلسي. ورداً على هذا الاستفزاز، انطلقت مقاتلتان بريطانيتان من طراز “F-35” من على متن الحاملة لاعتراض الطائرة الروسية ومرافقتها حتى غادرت المنطقة بأمان.
تداعيات قصف روسي على كييف وأبعاد الصراع الإقليمي
يعيد هذا التصعيد الميداني، المتمثل في الـ قصف روسي على كييف والاحتكاكات البحرية في الشمال، تسليط الضوء على الجذور التاريخية للأزمة الروسية الأوكرانية التي اندلعت بشكل موسع في فبراير 2022. ومنذ ذلك الحين، تحولت أوكرانيا إلى ساحة حرب استنزاف كبرى تؤثر بشكل مباشر على أمن الطاقة والاقتصاد العالمي، وتعيد رسم خريطة التحالفات الدولية.
وتأتي هذه التطورات قبيل قمة الناتو في أنقرة، حيث يسعى الحلفاء الغربيون إلى تأكيد التزامهم طويل الأمد تجاه كييف. ومن المتوقع أن يتعهد أعضاء الناتو بتقديم حزمة مساعدات عسكرية ضخمة تصل قيمتها إلى 70 مليار يورو لعام 2026. ومع ذلك، تترقب الأوساط السياسية موقف الإدارة الأمريكية الجديدة بقيادة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي يركز على ضرورة إيجاد حلول دبلوماسية سريعة لإنهاء الحرب وتخفيف العبء المالي عن كاهل دافعي الضرائب الغربيين، مما يضع ضغوطاً إضافية على الدول الأوروبية لزيادة مساهماتها الدفاعية.
إن استمرار الهجمات الروسية المكثفة يثبت أن الحل العسكري لا يزال هو الخيار المهيمن على المشهد، مما يضع المجتمع الدولي أمام تحديات غير مسبوقة لمنع انزلاق الأوضاع إلى مواجهة شاملة ومباشرة بين القوى النووية الكبرى.


