في تصريح بارز يعكس الديناميكيات المتغيرة في المشهد السوري، أكد الشيخ مانع دهام الجربا، شيخ قبيلة شمر في سوريا، أن تحرير سوريا من قبضة نظام الأسد كان بمثابة تحرير حقيقي لـ القبائل السورية التي عانت من ضغوط هائلة لعقود. وفي حوار خاص لـ«عكاظ»، كشف الجربا عن رؤيته لمستقبل الدور القبلي في بناء الدولة، رافضاً فكرة إنشاء مجلس موحد يضم كافة القبائل، ومشدداً على أن لكل قبيلة خصوصيتها التي لا يمكن دمجها ضمن كيان واحد.
وأوضح الشيخ الجربا أن القبائل، باعتبارها مكوناً أصيلاً في النسيج الاجتماعي السوري، استعادت حريتها وقدرتها على التأثير الإيجابي بعد زوال نظام حاول طوال ستة عقود طمس هويتها وتغيير مبادئها. وأشار إلى أن الشعب السوري أذهل العالم برقيه الحضاري خلال عملية التغيير، حيث لم تسجل حوادث فوضى أو سرقات تذكر، مما يدل على وعي مجتمعي عميق الجذور لعبت فيه القيم القبلية دوراً هاماً.
إرث من الصمود في وجه محاولات التغيير
على مدى تاريخ سوريا الحديث، وتحديداً منذ وصول حزب البعث إلى السلطة، خضعت البنى القبلية لسياسات ممنهجة هدفت إلى إضعافها أو تدجينها. لقد نظر النظام السابق إلى الولاء القبلي كمنافس محتمل لولاء الدولة والحزب، فسعى جاهداً لفرض حصار فكري واجتماعي على القبائل، ومحاولة تغيير منظومتها القيمية. ورغم هذه الضغوط التي استمرت لأكثر من نصف قرن، فشل النظام في تحقيق هدفه، حيث حافظت القبائل على إرثها وأصالتها وهويتها المتجذرة. إن صمود هذه الهياكل الاجتماعية هو دليل على قوتها ومرونتها، وقدرتها على الظهور مجدداً كقوة فاعلة ومؤثرة بمجرد أن سنحت الفرصة مع تحرير البلاد.
مستقبل القبائل السورية: بين الخصوصية والوحدة الوطنية
يرى الشيخ الجربا أن مستقبل سوريا يتطلب الاعتراف بتنوع مكوناتها، بما في ذلك القبائل. وأكد أن رفضه لفكرة “مجلس أعلى للقبائل” لا ينبع من رغبة في التفرقة، بل من فهم عميق لواقع أن كل قبيلة، مثل شمر، لها خصوصيتها وتقاليدها ونظامها الداخلي الذي لا يمكن تذويبه في هيكل أوسع قد يخلق خلافات حول المناصب والتمثيل بدلاً من تحقيق الوحدة. وأضاف أن القبائل ليست تنظيماً سياسياً بالمعنى الحديث، بل هي كيانات اجتماعية ذات مبادئ مشتركة، وقد أثبتت خلال الثورة أن مبدأها واحد وهو دعم التغيير، حتى وإن اختلفت في بعض المواقف التكتيكية. وأشار إلى أنه يمتلك حزباً سياسياً منذ تسع سنوات، وينتظر إقرار قانون الأحزاب للمشاركة بفعالية في الحياة السياسية القادمة.
صمام أمان للاستقرار الإقليمي والمجتمعي
يمثل الدور المستقبلي للقبائل أهمية تتجاوز الحدود المحلية لتصل إلى التأثير الإقليمي. ففي مناطق حساسة مثل الجزيرة السورية (محافظة الحسكة)، تلعب قبيلة شمر، بوجودها الاستراتيجي وعلاقاتها التاريخية مع جيرانها من الأكراد والعشائر الأخرى، دوراً محورياً كصمام أمان ضد الفوضى والفتن. وأكد الجربا على متانة العلاقات مع كافة المكونات، مشدداً على أن أي صراع داخلي قد يستغرق أعواماً لإنهائه، مما يفرض على الجميع مسؤولية الحفاظ على السلم المجتمعي. هذا الدور لا يضمن الاستقرار المحلي فحسب، بل يساهم في أمن دول الجوار ويمنع تحول المنطقة إلى بؤرة للنزاعات، وهو ما يجعله محط اهتمام القوى الإقليمية والدولية الساعية لتحقيق استقرار دائم في سوريا.


