في واحدة من أكثر الحوادث إيلاماً التي شهدتها العاصمة السعودية، يستعيد صالح سلمان الكليبي، المعروف بـ«أبو مبارك»، تفاصيل اللحظات المروعة التي غيرت حياته إلى الأبد بعد أسبوعين من فاجعة حريق الرياض التي أودت بحياة خمسة من أطفاله. استيقظ الأب المكلوم في ذلك الصباح المشؤوم على صرخات أبنائه تستغيث، ليجد نفسه في مواجهة مباشرة مع ألسنة اللهب التي التهمت منزله وأحلام أسرته في حي جنوب الرياض.
لم يغادر الكليبي وزوجته وابنه الناجي مبارك المستشفى إلا قبل يومين، بعد أن أمضوا قرابة الأسبوع ونصف في قسم العناية المركزة يتلقون العلاج من الإصابات البالغة التي لحقت بهم جراء الحريق. ورغم الألم الجسدي، يبقى وجع الفقد هو الجرح الأعمق الذي لا يندمل.
تفاصيل مروعة يرويها الأب المكلوم
يروي الكليبي لـ«عكاظ» بصوت يغالبه الحزن: «في حدود الساعة الحادية عشرة من صباح يوم الجمعة، كنت نائماً مع ولدي الصغير حين سمعت صراخ أطفالي وهم ينادون: يا بابا حريق..». يصف الأب لحظات الهلع الأولى ومحاولاته المستميتة لإنقاذ فلذات أكباده. «نهضت مسرعاً وكان أول من واجهني ابني مبارك، تمكنت من إخراجه بصعوبة، ثم عدت مرة أخرى ونجحت في إنقاذ ابني جهاد. بعدها، حاولت العودة لإنقاذ البقية، لكن كل ما كنت أفكر فيه هو الوصول إليهم».
يتابع «أبو مبارك» شهادته المؤلمة: «كانت النار تنتشر بسرعة هائلة والدخان الكثيف يملأ المكان، حاولت مراراً وتكراراً، إلا أن ألسنة اللهب حالت دون وصولي إلى بقية أبنائي. كانت تلك أصعب لحظات حياتي، اضطررت للنزول مع زوجتي خارج المبنى بعد أن أصبح البقاء في الداخل مستحيلاً، بينما بقي أطفالنا في الداخل. وقفنا ننتظر وصول فرق الدفاع المدني وكلنا أمل، وعندما بدأت عمليات الإنقاذ، أُخرج الأطفال واحداً تلو الآخر، بعضهم كان قد فارق الحياة، وآخرون في حالات حرجة. من هول الصدمة، لم أعد أشعر بشيء، ولم أستوعب ما يجري حولي».
صدى فاجعة حريق الرياض وأهمية السلامة المنزلية
لم تكن هذه المأساة مجرد حادث فردي، بل هزت المجتمع السعودي بأسره، مسلطة الضوء مجدداً على أهمية إجراءات السلامة في المنازل. فالحوادث المنزلية، خاصة الحرائق الناجمة عن التماسات كهربائية أو إهمال، تشكل أحد أبرز التحديات التي تواجهها فرق الدفاع المدني السعودي. وتعمل الجهات المعنية باستمرار على رفع مستوى الوعي المجتمعي بضرورة تركيب أجهزة كشف الدخان، وتوفير طفايات الحريق، وإجراء الصيانة الدورية للتمديدات الكهربائية، وهي إجراءات بسيطة قد تكون الفاصل بين الحياة والموت في مثل هذه الظروف.
إن وقع مثل هذه الفواجع يتجاوز الأسرة المنكوبة ليصبح تذكيراً للمجتمع بأكمله بمسؤوليته في حماية الأرواح، وضرورة عدم التهاون في تطبيق معايير السلامة التي قد تمنع تكرار مثل هذه الكارثة الإنسانية.
دعم مجتمعي ومواساة للأسرة المنكوبة
تركت الحادثة أثراً عميقاً في نفوس كل من عرف الأسرة، خاصة في المجتمع المدرسي الذي ينتمي إليه الابن الناجي مبارك. وأكد طارق محمد حوباني، معلم الطالب مبارك، أن الفاجعة أثرت في جميع منسوبي المدرسة وزملائه. وقال: «نعزي «أبو مبارك» في وفاة أبنائه الخمسة، فالمصيبة كبيرة على الأسرة بأكملها، وقد تأثرنا جميعاً بهذه الفاجعة. نحن مستمرون في الوقوف إلى جانب الأسرة وتقديم كل الدعم الممكن لها». وأضاف أن مبارك هو أحد طلاب المدرسة، وأن أسرته عُرفت بين جيرانها وأبناء الحي بالتعفف وحسن السيرة، مما ضاعف من حجم الحزن في محيطهم.
ورغم خروجه من المستشفى، يؤكد الكليبي أن وجع الفقد لا يزال حاضراً في كل تفاصيل حياته، سائلاً الله أن يتغمد أبناءه بواسع رحمته وأن يلهمه وعائلته الصبر والسلوان على هذا المصاب الجلل.


