كشفت تقارير صحفية إسرائيلية عن ارتفاع مقلق ومستمر في ظاهرة الانتحار بين الجنود الإسرائيليين، مسجلة 15 حالة خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام الجاري، وذلك في انعكاس مباشر للتداعيات النفسية العميقة التي خلفتها الحرب على قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر. هذه الأرقام، التي أوردتها صحيفة “هآرتس”، تدق ناقوس الخطر داخل المؤسسة العسكرية والأمنية في إسرائيل، وتشير إلى أزمة صامتة تتفاقم مع استمرار العمليات القتالية والضغوط النفسية الهائلة التي يتعرض لها الجنود في الخدمة الفعلية والاحتياط على حد سواء.
وفقاً للبيانات، فإن ما لا يقل عن 10 جنود في الخدمة الفعلية أقدموا على الانتحار منذ بداية عام 2024، من بينهم 6 حالات في شهر أبريل وحده. كما شملت الإحصائيات 3 جنود من قوات الاحتياط انتحروا بعد تسريحهم من الخدمة، بالإضافة إلى عنصرين من الشرطة، أحدهما يخدم في حرس الحدود. هذه الأرقام تمثل تصاعداً كبيراً مقارنة بالمعدلات السابقة، حيث كان متوسط حالات الانتحار في الجيش الإسرائيلي يبلغ حوالي 12 حالة سنوياً خلال العقد الماضي، مما يوضح حجم الأثر النفسي غير المسبوق للنزاع الحالي.
تداعيات حرب غزة على الصحة النفسية للجنود
تعود جذور هذه الأزمة إلى طبيعة الصراع الدائر، والذي يُعد الأكثر عنفاً وكلفة بشرية بالنسبة للجيش الإسرائيلي منذ عقود. فالتعرض المستمر لمشاهد القتال العنيف، وفقدان الزملاء، والشعور بالمسؤولية عن أحداث السابع من أكتوبر، كلها عوامل تساهم في تفاقم اضطرابات ما بعد الصدمة (PTSD) والقلق والاكتئاب. الخدمة العسكرية في إسرائيل، بطبيعتها الإلزامية، تفرض ضغوطاً نفسية كبيرة على الشباب، لكن الحرب الحالية أدخلت أبعاداً جديدة من الصدمات النفسية التي لم تكن الأطقم الطبية والنفسية العسكرية مهيأة للتعامل معها بهذا الحجم الهائل.
وقد نقلت الصحيفة عن مسؤول رفيع في إدارة الموارد البشرية بالجيش الإسرائيلي اعترافه بأن الوضع “انفجر في وجوههم”، مضيفاً: “في بداية الحرب، اعتقدنا أننا نسيطر على الوضع، لكننا كنا مخطئين”. هذا الاعتراف يسلط الضوء على الصعوبات التي تواجهها المؤسسة العسكرية في تقديم الدعم النفسي الفعال، خاصة مع وجود تقارير تفيد بتعرض جنود يعانون من اضطرابات نفسية لضغوط من قادتهم للعودة إلى الخدمة، وتهديدهم أحياناً بالإجراءات العقابية.
فجوة في الدعم النفسي وانتقادات لسياسات الجيش
تزداد الأزمة تعقيداً بسبب السياسات التي اتبعها الجيش فيما يتعلق بالدعم النفسي. ففي فبراير الماضي، قرر الجيش إلغاء جلسات التأهيل النفسي لجنود الاحتياط التي كانت تُعقد قبل عودتهم للحياة المدنية، وهو قرار تم التراجع عنه جزئياً لاحقاً بعد انتقادات واسعة. كما أشارت “هآرتس” إلى أن الجيش واصل تجنيد أفراد يعانون من مشاكل نفسية مسجلة لدى وزارة الدفاع دون إجراء تقييم طبي شامل لأهليتهم للخدمة في ظل الظروف الحالية. هذه الممارسات لا تفاقم فقط من معاناة الجنود، بل تزيد من مخاطر وصولهم إلى نقطة الانهيار. إن الأرقام المعلنة قد لا تعكس الصورة الكاملة، حيث إنها لا تشمل الجنود الذين ينهون حياتهم بعد تسريحهم من الخدمة بفترة، مما يعني أن الحجم الحقيقي للأزمة قد يكون أكبر بكثير، ويمثل تحدياً طويل الأمد للمجتمع الإسرائيلي بأكمله.


