
في تطور سياسي وأمني لافت يعكس تحولاً جذرياً في مسار الدولة، أعلن قائد الجيش اللبناني العماد جوزيف عون عن بدء مرحلة جديدة تتسم بـ استعادة السيادة اللبنانية وقرارها الوطني بعد نحو نصف قرن من الارتهان للتجاذبات الإقليمية. وقد وجه عون شكراً خاصاً للقيادة السعودية والإدارة الأمريكية على جهودهما الحثيثة في دعم التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار مع إسرائيل. يتزامن هذا الإعلان مع دخول هدنة مؤقتة حيز التنفيذ، وعودة آلاف النازحين إلى قراهم في الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت، وسط ترقب حذر لمستقبل الترتيبات الأمنية.
جذور الأزمة: نصف قرن من الصراعات والتدخلات الخارجية
لفهم عمق التصريح الذي أدلى به قائد الجيش، يجب العودة إلى الخلفية التاريخية التي عصفت بلبنان على مدار العقود الخمسة الماضية. منذ أواخر الستينيات واندلاع الحرب الأهلية اللبنانية في عام 1975، فقدت الدولة اللبنانية احتكارها لاستخدام القوة الشرعية. تحول لبنان إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية، حيث تداخلت مصالح قوى خارجية عديدة مع فصائل مسلحة محلية. هذا الواقع جعل من بيروت ورقة تفاوض في أيدي أطراف إقليمية، مما أضعف مؤسسات الدولة، وأدخل البلاد في دوامة من الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية التي بلغت ذروتها في الانهيار الشامل خلال السنوات الأخيرة.
استعادة السيادة اللبنانية: تحول استراتيجي في مسار الدولة
قدم العماد جوزيف عون في خطابه الأخير قراءة سياسية وعسكرية تعتبر الأكثر وضوحاً منذ سنوات، مؤكداً أن البلاد لم تعد «ورقة في جيب أحد». هذا الموقف الحازم يمثل حجر الزاوية في مشروع استعادة السيادة اللبنانية، حيث يعيد التأكيد على دور الدولة كصاحبة القرار الوحيد في مسألتي الحرب والسلم. ولم يغفل عون الإشادة بالدور الخارجي المحوري، موجهاً شكره للقيادة في المملكة العربية السعودية ولواشنطن، باعتبارهما شريكين أساسيين في إرساء التهدئة. يعكس هذا الانفتاح رغبة حقيقية في إعادة تموضع لبنان ضمن حاضنته العربية والدولية الطبيعية، بعيداً عن سياسات المحاور التي استنزفت مقدراته.
الأهمية الاستراتيجية والتداعيات المتوقعة للاتفاق
يحمل هذا الحدث أهمية استثنائية تتجاوز الحدود الجغرافية للبنان. على الصعيد المحلي، يمهد الاتفاق الطريق أمام الجيش اللبناني لبسط سيطرته الكاملة وحصر السلاح بيده، وهو مطلب شعبي ودولي طال انتظاره لإعادة بناء مؤسسات الدولة. إقليمياً، يعزز هذا التطور من مساعي الاستقرار في الشرق الأوسط، حيث يبرز الدور السعودي كعامل توازن يهدف إلى حماية استقرار الدول العربية ومنع انزلاقها في حروب بالوكالة. أما دولياً، فإن نجاح هذه الترتيبات الأمنية يشكل اختباراً لمدى التزام المجتمع الدولي بتوفير مظلة حماية تمنع أي تصعيد مستقبلي.
تفاصيل الهدنة وتحديات حصر السلاح
دخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ لمدة عشرة أيام كفترة اختبارية قابلة للتمديد، في حال تحقق تقدم ملموس على الصعيدين السياسي والأمني. ينص الاتفاق بوضوح على تحميل الدولة اللبنانية المسؤولية الكاملة عن منع أي هجمات تنطلق من أراضيها، مع التأكيد على حصرية السلاح بيد القوات المسلحة الشرعية. في المقابل، يمنح الاتفاق إسرائيل حق الرد الدفاعي، وهو بند يثير قلقاً نظراً لهشاشة التوازن الحالي. وقد واصل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إطلاق تصريحات تؤكد استمرار هدفه في تفكيك القدرات العسكرية للفصائل، مما يجعل هذه الهدنة محفوفة بالتحديات.
عودة النازحين وفاتورة الحرب الباهظة
على الصعيد الميداني والإنساني، شهدت الطرقات المؤدية إلى جنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت حركة مرور كثيفة لآلاف النازحين العائدين لتفقد منازلهم. تعكس هذه العودة إرادة صلبة لاستئناف الحياة الطبيعية رغم حجم الدمار الهائل. ووفقاً للإحصاءات، فقد تكبد لبنان خسائر بشرية فادحة منذ بدء التصعيد، حيث بلغت حصيلة الضحايا 2196 قتيلاً، بالإضافة إلى تسجيل 7185 جريحاً. تضع هذه الأرقام المأساوية الحكومة اللبنانية والمجتمع الدولي أمام تحدٍ مركزي يتمثل في إطلاق ورشة إعادة الإعمار وتأمين مقومات الصمود.
مفترق طرق حاسم
في المحصلة، يقف لبنان اليوم على مفترق طرق تاريخي. فالأسابيع القليلة المقبلة ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كانت هذه الهدنة ستتحول إلى مسار سياسي دائم يعزز من استقرار البلاد، أم أنها مجرد استراحة مؤقتة. الأكيد أن الخطوة الأولى نحو التعافي تبدأ من ترسيخ سلطة القانون وبناء دولة المؤسسات القادرة على حماية شعبها.


