تقرير السلام 2026: العالم على حافة الهاوية
في تحذير هو الأشد لهجة منذ عقود، كشف “تقرير السلام لعام 2026″، الذي قدمه تحالف من أبرز المعاهد الألمانية لأبحاث السلام والنزاعات في برلين، عن صورة قاتمة لمستقبل الاستقرار العالمي. يسجل التقرير اندلاع 61 نزاعاً مسلحاً بين عامي 2021 و2024، وهو الرقم الأعلى منذ نهاية الحرب الباردة، مما يؤشر على انهيار متسارع للنظام الدولي القائم على القواعد. وأوضح الباحثون أن الدول تلجأ بشكل متزايد إلى القوة العسكرية كأداة أساسية في السياسة الدولية لفرض مصالحها، متجاوزة القانون الدولي والمؤسسات التي أُنشئت للحفاظ على السلم والأمن الدوليين.
شهدت الفترة التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفيتي تفاؤلاً كبيراً بإمكانية بناء نظام عالمي جديد يسوده التعاون وحل النزاعات بالطرق السلمية. لكن هذه الآمال تلاشت تدريجياً مع عودة التنافس بين القوى الكبرى، وتصاعد الحروب بالوكالة، وانتشار الجماعات المسلحة غير الحكومية. لقد تحول المشهد الأمني العالمي بشكل جذري، حيث أصبحت النزاعات أكثر تعقيداً وتداخلاً، وتفاقمت آثارها الإنسانية بشكل مأساوي، وهو ما يتجلى بوضوح في الحرب الروسية الأوكرانية، والأزمة الإنسانية في السودان، والدمار الهائل في قطاع غزة.
مؤشرات تدهور الاستقرار العالمي بالأرقام
الأرقام التي ساقها التقرير لا تدع مجالاً للشك في خطورة المرحلة. فخلال السنوات الأربع الماضية وحدها، تم تسجيل 61 حرباً ونزاعاً مسلحاً شاركت فيها دولة واحدة على الأقل في 36 دولة. هذه الحروب لم تقتصر على الخسائر العسكرية، بل تسببت في موجات نزوح غير مسبوقة، حيث ارتفع عدد النازحين قسراً في جميع أنحاء العالم إلى أكثر من 120 مليون شخص بحلول أبريل 2025، وهو رقم قياسي يعكس حجم المعاناة الإنسانية. هذه الأزمات تضع ضغوطاً هائلة على الدول المضيفة وتستنزف موارد المنظمات الإنسانية التي تواجه أصلاً تخفيضات كبيرة في التمويل.
تحديات هيكلية تهدد السلام المستدام
يشير التقرير إلى أن ركائز حفظ السلام الدولي، وعلى رأسها الأمم المتحدة، تواجه أزمة وجودية. فالتنافس الحاد بين القوى الكبرى، وخصوصاً استخدام حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن، يشل قدرة المنظمة على اتخاذ قرارات حاسمة في الأزمات الكبرى. وفي الوقت نفسه، تؤدي تخفيضات التمويل إلى تقويض جهود التعاون الإنمائي والمساعدات الإنسانية، والتي تعتبر خط الدفاع الأول ضد اندلاع النزاعات في الدول الهشة. ويحذر الخبراء من أن إضعاف هذه الجهود يزعزع الاستقرار ويفاقم الأزمات، مما يخلق حلقة مفرغة من العنف والفقر.
سباق تسلح جديد تغذيه التكنولوجيا
يزيد من تعقيد المشهد دخول التقنيات الحديثة كلاعب رئيسي في الحروب المعاصرة. فالابتكارات في مجال الذكاء الاصطناعي، والأنظمة العسكرية ذاتية التشغيل، والقدرات السيبرانية، والتكنولوجيا الحيوية، تساهم في تسريع سباق التسلح العالمي وتجاوز آليات الرقابة التقليدية. هذه التقنيات لا تسرّع العمليات العسكرية فحسب، بل تكثف أيضاً من الهجمات السيبرانية وحملات التضليل الإعلامي، مما يجعل إدارة الصراع والوصول إلى الحقيقة أكثر صعوبة. ومع ذلك، يرى التقرير أن هذه التقنيات يمكن أن توفر أيضاً فرصاً لتحسين آليات التحقق من اتفاقيات الحد من التسلح إذا ما تم التوصل إلى أطر تنظيمية دولية مرنة ومنسقة.


