أثارت مجلة "لو نوفيل أوبسرفاتور" الفرنسية نقاشاً استراتيجياً عميقاً وحساساً حول مستقبل الشرق الأوسط، معتبرة أن سيناريو مقتل أو غياب المرشد الأعلى علي خامنئي قد يشكل نقطة تحول تاريخية فاصلة لا تقل أهمية عن لحظة تأسيس النظام نفسه. هذا الحدث المحتمل لا يهدد فقط بانهيار تدريجي للنظام عبر ما وصفته المجلة بـ "الانفجار الداخلي"، بل قد يجر المنطقة بأسرها نحو فوضى إقليمية وحرب أوسع نطاقاً، مما يطرح تساؤلات وجودية حول تماسك الجمهورية الإسلامية وقدرتها على الصمود أمام التحديات المتراكمة.
الجذور التاريخية لنظام ولاية الفقيه
لفهم عمق الزلزال السياسي المتوقع، يجب العودة إلى السياق التاريخي والدستوري لنظام الحكم في طهران. منذ انتصار الثورة الإسلامية عام 1979، تم تصميم الدستور الإيراني ليركز السلطات بيد "الولي الفقيه"، وهي النظرية التي صاغها الإمام الخميني ورسخها من بعده علي خامنئي. هذه الصلاحيات المطلقة تتجاوز السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، حيث يعتبر المرشد الرمز العقائدي والمحرك الأساسي للسياسات الدفاعية والخارجية. وعلى عكس الانتقال السلس للسلطة الذي حدث عام 1989 بعد وفاة الخميني، يواجه النظام اليوم انقسامات داخلية حادة وضغوطاً خارجية غير مسبوقة، مما يجعل مسألة الخلافة التحدي الأخطر الذي يهدد أركان النظام الأيديولوجية التي حكمت البلاد لأكثر من أربعة عقود.
سيناريوهات انتقال السلطة وإدارة الفراغ
وفي سياق الحديث عن إدارة الفراغ الدستوري المحتمل، أفاد التقرير الفرنسي بأن السلطة قد تُدار مؤقتاً عبر "ترويكا" قيادية تضم الرئيس مسعود بزشكيان، ورئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجئي، وعضو مجلس صيانة الدستور علي رضا أعرافي. ورغم دعوات كبار المسؤولين الأمنيين والسياسيين، مثل علي لاريجاني، لضرورة الحفاظ على الوحدة وتجنب الفرقة، يرى محللون غربيون مثل ديفيد ريغوليه روز من المعهد الفرنسي للتحليل الاستراتيجي، أن الضربات الخارجية قد تكون "مسرّعاً لديناميكية قائمة مسبقاً" من التآكل الداخلي.
مستقبل الحرس الثوري بعد رحيل علي خامنئي
من النقاط الجوهرية التي لا يمكن إغفالها هي الدور المتعاظم للحرس الثوري الإيراني في حقبة ما بعد علي خامنئي. في ظل غياب كاريزما المؤسس أو خليفته، قد يسعى الحرس الثوري لملء الفراغ السياسي لضمان بقاء النظام، مما قد يحول الجمهورية الإسلامية من حكم ثيوقراطي ديني إلى حكم عسكري مباشر أو مقنع. هذا التحول المحتمل يأتي في وقت يعاني فيه الشارع الإيراني من احتقان شديد نتيجة الأزمات الاقتصادية وتوالي الاحتجاجات الشعبية، مما يعزز فرضيات عدم الاستقرار الداخلي وتفاقم الفجوة بين الدولة والمجتمع، وربما يفتح الباب لفاعلين انتقاليين جدد.
تصدع "محور المقاومة" والفراغ الإقليمي
لا تقتصر تأثيرات هذا الحدث على الداخل الإيراني، بل تمتد لتشمل الخارطة الجيوسياسية للشرق الأوسط برمته. لطالما اعتمدت طهران في نفوذها الإقليمي وتصدير ثورتها على شبكة واسعة من الوكلاء والفصائل المسلحة في العراق، وسوريا، ولبنان، واليمن، ضمن ما يُعرف بـ "محور المقاومة". إن غياب علي خامنئي، الذي يمسك بخيوط هذه الشبكة المعقدة ويدير توازناتها الدقيقة، قد يؤدي إلى حالة من التخبط الاستراتيجي وفقدان السيطرة المركزية. هذا الوضع يهدد أمن الطاقة العالمي عبر مضيق هرمز ويزيد من احتمالية التصعيد غير المحسوب من قبل هذه الفصائل ضد القواعد الأمريكية أو المصالح الإسرائيلية، وهو ما حذرت منه المجلة واصفة الهجمات المحتملة بأنها قد تكون "أكثر جرأة" وعشوائية.
بين الانفجار الداخلي والخيارات العسكرية
وفيما يتعلق بالتماسك الداخلي، تباينت الآراء حول احتمالية نشوب حرب أهلية أو نزاعات عرقية. فبينما يرى تيري كوفيل من المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية خطراً حقيقياً من تحرك أقليات مثل البلوش أو الأكراد للسيطرة على مناطقهم في ظل ضعف المركز، يستبعد خبراء آخرون مثل بيار رازوا هذا السيناريو، مراهنين على الشعور الوطني الإيراني العميق. عسكرياً، ورغم تهديدات الحرس الثوري بشن "أعنف هجوم في التاريخ" رداً على أي تهديد، تشير التقديرات الغربية إلى أن قدرات إيران الصاروخية والدفاعية قد أُضعفت بفعل العقوبات والضربات الاستخباراتية، مما يضع النظام أمام خيارات صعبة بين التصعيد الانتحاري أو الانكفاء للداخل لمحاولة ترميم البيت الداخلي.


