تشهد الساحة الليبية تطورات متسارعة تعمق من حدة الأزمة السياسية في ليبيا، وذلك بالتزامن مع تداول تسريبات حول مقترح أمريكي منسوب إلى مسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي لشؤون أفريقيا. يقضي هذا المقترح بدمج الحكومتين المتنازعتين على السلطة في كيان واحد، وهو ما أثار موجة من الجدل الواسع ورفضاً قاطعاً من قبل المجلس الأعلى للدولة وبعض الكتل البرلمانية الفاعلة في المشهد.
وتتضمن المبادرة الأمريكية المطروحة تولي الفريق صدام حفتر رئاسة المجلس الرئاسي الجديد، مع الإبقاء على عبد الحميد الدبيبة على رأس حكومة “الوحدة الوطنية”. هذا الطرح أعاد إلى الواجهة التوترات السياسية، مسلطاً الضوء مجدداً على الصراع القائم حول الشرعية والهيمنة السياسية بين شرق البلاد وغربها.
جذور الانقسام وتطور المشهد الليبي
لفهم التعقيدات الحالية، يجب النظر إلى السياق التاريخي للانقسام المؤسسي الذي تعيشه البلاد منذ سنوات. فقد تفاقمت الصراعات بعد تعثر إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي كانت مقررة في أواخر عام 2021. ومنذ ذلك الحين، عادت البلاد إلى مربع الانقسام بوجود حكومتين: إحداهما في طرابلس معترف بها دولياً، والأخرى في الشرق مدعومة من مجلس النواب والقيادة العامة للجيش. هذا الانقسام أضعف مؤسسات الدولة وجعلها عرضة للتدخلات الخارجية المستمرة، مما جعل أي محاولة للحل تصطدم بتعنت الأطراف المحلية المتمسكة بمكتسباتها.
التداعيات المتوقعة على الأزمة السياسية في ليبيا إقليمياً ودولياً
تأتي المبادرة الأمريكية في إطار محاولات واشنطن لإعادة ترتيب البيت السياسي الليبي واحتواء الصراع المستمر، خاصة في ظل التنافس الدولي المحموم على النفوذ في شمال أفريقيا. إن نجاح أو فشل مثل هذه المقترحات لا يؤثر فقط على الداخل الليبي، بل يمتد تأثيره إقليمياً ودولياً. محلياً، يرى المعارضون للمقترح، وعلى رأسهم المجلس الأعلى للدولة بقيادة محمد تكالة، أن تولي شخصية عسكرية مثل صدام حفتر لمنصب مدني رفيع يمثل تهديداً لمكاسب القيادة المدنية وخلطاً خطيراً بين المؤسستين العسكرية والسياسية. أما دولياً، فإن استمرار حالة عدم الاستقرار يهدد أمن حوض البحر الأبيض المتوسط، ويزيد من مخاوف تدفق الهجرة غير الشرعية نحو أوروبا، ويؤثر بشكل مباشر على استقرار إمدادات الطاقة العالمية التي تعتمد على النفط والغاز الليبي.
تداعيات الانقسام: أزمة الناقلة الروسية والسيادة الوطنية
وفي سياق متصل يعكس حالة الضعف المؤسسي الناتجة عن الانقسام، أثار تجاهل حكومة “الوحدة الوطنية” التحقيق في حادثة ناقلة الغاز الروسية قبالة الساحل الليبي تساؤلات قانونية وسياسية واسعة. فقد اعتبرت لجنة برلمانية مختصة هذه الواقعة “انتهاكاً صارخاً للأمن القومي”، مطالبة بفتح تحقيق شامل وعاجل. في المقابل، تبرر السلطات التنفيذية موقفها بأن الاختصاص الأساسي يعود لروسيا باعتبار الناقلة تابعة لها، وأن الحادث وقع خارج نطاق المياه الإقليمية الليبية، مما يعكس التخبط في إدارة الأزمات السيادية.
أفق الأزمة والسيناريوهات المحتملة
في الختام، يبرهن الرفض المحلي الواسع للمبادرة الأمريكية، بالإضافة إلى الانقسامات العميقة في مواقف الخبراء والسلطات، على استمرار تعقيد المشهد. إن غياب التوافق الوطني والتباين الحاد في الرؤى بشأن الشرعية وتوزيع السلطة يؤكد أن الحلول المفروضة من الخارج قد لا تجد طريقها للتنفيذ ما لم تكن مدعومة بتوافق ليبي-ليبي حقيقي ينهي المراحل الانتقالية ويؤسس لدولة مستقرة وموحدة.


