في خطوة تعكس التوترات التاريخية الكامنة بين وارسو وكييف، أثار الرئيس البولندي القومي كارول نافروتسكي جدلاً واسعاً باقتراحه تجريد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي من “وسام النسر الأبيض”، وهو أرفع تكريم في بولندا. يأتي هذا الموقف المثير للجدل على خلفية قرار كييف بتكريم منظمة “جيش المتمردين الأوكراني” (UPA)، مما أعاد فتح جراح الماضي الأليم وألقى بظلاله على التحالف الوثيق الذي جمع البلدين في مواجهة الغزو الروسي. قضية وسام زيلينسكي أصبحت الآن رمزاً للتوازن الدقيق بين الذاكرة التاريخية والمصالح الجيوسياسية الحالية.
جذور الخلاف: ذاكرة تاريخية مؤلمة
لفهم عمق الأزمة الحالية، لا بد من العودة إلى أحداث الحرب العالمية الثانية. تعتبر بولندا منظمة “جيش المتمردين الأوكراني” (UPA) مسؤولة عن “مذابح فولينيا” التي وقعت بين عامي 1943 و1945، والتي راح ضحيتها عشرات الآلاف من المدنيين البولنديين في عمليات تطهير عرقي ممنهجة. وتصنف وارسو هذه الأحداث على أنها إبادة جماعية، وهي قضية حساسة للغاية في الوعي الوطني البولندي. في المقابل، يرى قطاع واسع من الأوكرانيين في “UPA” حركة مقاومة وطنية حاربت من أجل استقلال أوكرانيا ضد كل من الاتحاد السوفيتي وألمانيا النازية، مما يخلق روايتين تاريخيتين متصادمتين.
وسام زيلينسكي بين التكريم والتهديد
المفارقة تكمن في أن منح وسام زيلينسكي جاء في وقت سابق كدليل على الامتنان البولندي العميق لصمود أوكرانيا وشجاعة قيادتها. فمنذ بدء الغزو الروسي الشامل في فبراير 2022، برزت بولندا كواحدة من أقوى حلفاء أوكرانيا، حيث فتحت حدودها لملايين اللاجئين وقدمت دعماً عسكرياً واقتصادياً وسياسياً هائلاً. كان الوسام بمثابة تتويج لهذه الشراكة الاستراتيجية. لكن قرار زيلينسكي الأخير بتسمية إحدى الوحدات العسكرية باسم مرتبط بـ”UPA” اعتبره القوميون في بولندا استفزازاً وإهانة لضحايا المذابح، مما حول هذا التكريم الرفيع إلى نقطة خلاف قد تهدد بتقويضه.
تداعيات محتملة على الجبهة الشرقية لأوروبا
على الرغم من أن دعوة نافروتسكي قد لا تعبر عن الموقف الرسمي للحكومة البولندية بالضرورة، إلا أنها تكشف عن وجود صدع محتمل في الجبهة الموحدة ضد روسيا. أي خلاف علني بين وارسو وكييف يمثل فرصة ذهبية لموسكو لاستغلالها في حربها الدعائية، بهدف تصوير أوكرانيا على أنها مصدر للانقسام في أوروبا وإضعاف التضامن الإقليمي. يأتي هذا التوتر الدبلوماسي في وقت حرج يستمر فيه التصعيد العسكري، حيث أعلنت وزارة الدفاع الروسية عن سيطرتها على أربع بلدات، بينما أفاد نائب رئيس الوزراء الأوكراني، أوليكسي كوليبا، بأن طائرات مسيّرة روسية استهدفت ثلاث سفن تجارية ترفع أعلاماً أجنبية في ممر التصدير الأوكراني بالبحر الأسود، مما يزيد من تعقيد المشهد الأمني ويسلط الضوء على أهمية الحفاظ على وحدة الصف بين حلفاء كييف.


