كشفت تقارير صحفية دولية عن كواليس مثيرة ومفاجآت غير متوقعة سبقت توقيع مذكرة التفاهم الأخيرة بين طهران وواشنطن، حيث شكلت المفاوضات الإيرانية الأمريكية ساحة لصراع داخلي محتدم في إيران. وفي هذا السياق، نقلت صحيفة “نيويورك تايمز” عن أربعة مسؤولين إيرانيين أن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان لوّح بتقديم استقالته والتنحي عن منصبه كخيار أخير للضغط على المرشد الأعلى مجتبى خامنئي، لإقناعه بضرورة المضي قدماً في إبرام الاتفاق مع الولايات المتحدة وتجنب انهيار اقتصادي وشيك.
التهديد بالاستقالة: سلاح بزشكيان الأخير لإنقاذ الاقتصاد
أوضحت المصادر أن الرئيس بزشكيان وضع المرشد الأعلى أمام خيار صعب خلال اجتماع حاسم ومغلق عُقد قبيل التوقيع على الاتفاق في يونيو الماضي. وأكد بزشكيان لخامنئي أن الحصار البحري والعقوبات الاقتصادية الصارمة التي تفرضها واشنطن شلت مفاصل الاقتصاد الإيراني بالكامل، مشيراً إلى أن استمرار هذا الوضع دون حلول جذرية يهدد بشكل مباشر استقرار البلاد الداخلي وتماسك النظام.
ولم يقتصر التحذير على الجانب السياسي فحسب، بل عززته رسالة سرية وعاجلة وجهها محافظ البنك المركزي الإيراني، عبد الناصر همتي، إلى القيادة العليا. وحذر همتي في رسالته من أن مخزونات السلع الغذائية الأساسية والأدوية الحيوية في البلاد قد تنفد تماماً بحلول نهاية شهر أغسطس، ما لم يتم التوصل إلى انفراجة سياسية تخفف من وطأة الحصار الأمريكي الخانق. هذه التحذيرات الاقتصادية الصادمة، إلى جانب إصرار بزشكيان وفريقه، أجبرت خامنئي على التراجع عن موقفه الرافض للتفاوض المباشر والموافقة على توقيع مذكرة التفاهم.
جذور الأزمة: السياق التاريخي لتوتر العلاقات بين طهران وواشنطن
لفهم أبعاد هذا التحول الدراماتيكي، يجب العودة إلى مسار العلاقات الإيرانية الأمريكية المعقدة على مدى العقود الماضية. فمنذ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي (JCPOA) في عام 2018 وإعادة فرض سياسة “الضغط الأقصى”، عانى الاقتصاد الإيراني من تضخم متسارع وتراجع حاد في قيمة العملة المحلية، فضلاً عن تجميد الأصول الإيرانية في الخارج وتقييد صادرات النفط التي تشكل شريان الحياة للبلاد.
وعلى الرغم من محاولات طهران الالتفاف على العقوبات عبر شبكات تهريب النفط والاعتماد على شركاء إقليميين ودوليين مثل الصين وروسيا، إلا أن الحصار البحري والمالي المشدد الذي فرضته إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضيق الخناق بشكل غير مسبوق، مما جعل الآليات التقليدية لإدارة الأزمات داخل إيران غير مجدية، ودفع الجناح البراغماتي للبحث عن مخرج تفاوضي مباشر.
انقسام حاد في طهران بسبب المفاوضات الإيرانية الأمريكية
أدت المفاوضات الإيرانية الأمريكية إلى إحداث شرخ عميق وغير مسبوق داخل بنية النظام الإيراني. والمفارقة هنا أن هذا الانقسام لا يدور بين التيارين التقليديين (الإصلاحيين والمحافظين)، بل يتفاعل بقوة داخل المعسكر المحافظ نفسه. حيث تشكل تحالف براغماتي قوي يضم الرئيس مسعود بزشكيان، ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، ووزير الخارجية عباس عراقجي، مدعوماً ببعض قادة الحرس الثوري الإيراني.
يرى هذا المعسكر البراغماتي أن الحفاظ على بقاء النظام واستقراره يتطلب بالضرورة تبريد جبهات المواجهة مع الغرب والتوصل إلى تفاهمات تضمن رفع العقوبات. في المقابل، يبدي التيار المتشدد معارضة شرسة لأي تقارب مع واشنطن، معتبراً التفاوض تنازلاً استراتيجياً يمس بمبادئ الثورة الإسلامية. وقد وصلت حدة الخلافات إلى اتهام فريق التفاوض بـ”الخيانة العظمى”، وشن حملات إعلامية وسياسية شعواء ضد وزير الخارجية عباس عراقجي.
الأبعاد الإقليمية والدولية للاتفاق الإيراني الأمريكي الجديد
إن نجاح التحالف البراغماتي في تمرير قرارات مصيرية، شملت قبول وقف إطلاق النار وإجراء محادثات مباشرة مع المسؤولين الأمريكيين وصولاً لتوقيع مذكرة التفاهم مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يحمل تداعيات كبرى على المستويات المحلية والإقليمية والدولية:
- محلياً: يمنح الاتفاق الحكومة الإيرانية متنفساً اقتصادياً حيوياً عبر تدفق السلع الأساسية ورفع الحظر عن بعض الأصول المجمدة، مما قد يهدئ الشارع الإيراني المحتقن بسبب الظروف المعيشية الصعبة.
- إقليمياً: قد يؤدي التفاهم إلى إعادة صياغة خريطة التحالفات والتهدئة في ملفات ساخنة بالشرق الأوسط، لا سيما فيما يتعلق بنشاط الفصائل الموالية لإيران في المنطقة وملفات الأمن البحري في الخليج العربي.
- دولياً: يسهم الاتفاق في استقرار أسواق الطاقة العالمية وضمان تدفق النفط، كما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الدبلوماسية الدولية التي تقودها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإنهاء النزاعات الإقليمية المعقدة.
في النهاية، تظهر هذه الكواليس أن المعركة الحقيقية في طهران لم تعد تقتصر على بنود الاتفاق مع واشنطن، بل باتت تدور حول صياغة مستقبل النظام وتوازنات القوى الداخلية في مرحلة ما بعد الحرب.


