في تطور لافت يعكس حجم التوترات المتصاعدة في منطقة الشرق الأوسط، كشفت تقارير إعلامية أمريكية، وعلى رأسها صحيفة «نيويورك تايمز»، عن استعدادات مكثفة تجريها وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) لاحتمال استئناف الحرب على إيران. وتأتي هذه التطورات في وقت حساس للغاية، حيث تتزامن مع تقارير حول مفاوضات شاقة تجري خلف الكواليس، وتتخللها مزاعم إيرانية بموافقة واشنطن على منح طهران إعفاءات من العقوبات النفطية خلال فترة التفاوض. هذا المشهد المعقد يضع المنطقة بأسرها على صفيح ساخن، خاصة مع توقف إطلاق النار الذي أعلنه الرئيس دونالد ترمب في السابع من أبريل الماضي، والذي يبدو أنه يترنح أمام التعنت في تلبية الشروط المتبادلة.
جذور الصراع: من الاتفاق النووي إلى سياسة الضغط الأقصى
لفهم المشهد الحالي، لا بد من العودة إلى السياق التاريخي للحدث. العلاقات الأمريكية الإيرانية اتسمت بالتوتر لعقود، لكن المنعطف الأبرز في التاريخ الحديث كان انسحاب الولايات المتحدة في عام 2018 من الاتفاق النووي الموقع عام 2015. تبنت واشنطن حينها سياسة «الضغط الأقصى» التي شملت عقوبات اقتصادية قاسية استهدفت شل قطاع النفط الإيراني والقطاع المصرفي. هذه السياسة دفعت طهران إلى تقليص التزاماتها النووية وزيادة وتيرة تخصيب اليورانيوم، مما جعل الخيار العسكري مطروحاً دائماً على طاولة صناع القرار في واشنطن وتل أبيب لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي، وهو ما يفسر التحفز العسكري الحالي.
استعدادات عسكرية لاحتمال استئناف الحرب على إيران
نقلت صحيفة «نيويورك تايمز» عن مسؤولين مطلعين في المنطقة أن الولايات المتحدة وإسرائيل تنخرطان حالياً في استعدادات عسكرية مكثفة، تُعد الأكبر من نوعها منذ بدء سريان وقف إطلاق النار الأخير. هذه التحركات تأتي تحسباً لاحتمال استئناف الحرب على إيران وشن هجمات قد تبدأ في أقرب وقت. في المقابل، نقلت وكالة «تسنيم» الإيرانية عن مصادر مقربة من فريق التفاوض أن واشنطن وافقت على منح إعفاءات نفطية مؤقتة، وهو ما يتناقض مع المقترحات السابقة. وتصر طهران على الرفع الكامل للعقوبات كجزء من التزامات واشنطن، بينما تقترح الإدارة الأمريكية تعليق عقوبات وزارة الخزانة فقط حتى التوصل إلى تفاهم نهائي. وقد لعبت باكستان دوراً في نقل مقترح إيراني معدل لإنهاء الصراع، بعد تداول شروط متبادلة بين الطرفين.
تحذيرات ترمب واجتماعات الأمن القومي
في سياق متصل، وجه الرئيس دونالد ترمب رسائل شديدة اللهجة إلى القيادة الإيرانية. وفي حوار مطول مع مجلة «فورتشن»، أكد ترمب أن الإيرانيين يتوقون لتوقيع اتفاق لإنهاء حالة الصراع، لكنه انتقد تلاعبهم بالمسودات قائلاً: «إنهم يبرمون اتفاقاً، ثم يرسلون ورقة لا تمت بصلة لما تم الاتفاق عليه». وعبر منصة «تروث سوشيال»، حذر ترمب صراحة من أن «الوقت ينفد»، مهدداً بضربات أشد قسوة إذا لم تقدم طهران عرضاً أفضل. ولتأكيد جدية هذه التهديدات، عقد ترمب اجتماعات مع فريقه للأمن القومي، شملت شخصيات بارزة مثل نائب الرئيس جي دي فانس، ووزير الخارجية ماركو روبيو، ومدير وكالة المخابرات المركزية جون راتكليف، تمهيداً لاجتماع حاسم في «غرفة العمليات» بالبيت الأبيض لبحث الخيارات العسكرية.
التداعيات الإقليمية والدولية لأي تصعيد محتمل
إن أهمية هذا الحدث وتأثيره المتوقع تتجاوز الحدود الجغرافية للبلدين. على الصعيد الإقليمي، أي ضربة عسكرية أمريكية أو إسرائيلية لإيران ستؤدي حتماً إلى إشعال جبهات متعددة في الشرق الأوسط، مما يهدد أمن الملاحة في مضيق هرمز الاستراتيجي الذي يمر عبره خُمس استهلاك العالم من النفط. أما دولياً، فإن اندلاع نزاع واسع النطاق سيؤدي إلى صدمة في أسواق الطاقة العالمية، وارتفاع حاد في أسعار النفط، مما يلقي بظلاله السلبية على الاقتصاد العالمي. لذلك، تترقب الأوساط الدبلوماسية العالمية نتائج اجتماعات البيت الأبيض، وسط مخاوف من انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة.


