في مشهد يختصر مأساة الحرب وتعقيداتها السياسية والإنسانية، تتجسد معاناة العائلات الفلسطينية في أبهى صور التناقض؛ حيث عادت دموع الفرح إلى قطاع غزة مع لمّ شمل 11 طفلاً خديجاً بعائلاتهم بعد أكثر من عامين من الفراق القسري. وفي الوقت الذي كانت فيه الأمهات تحتضنّ أبناءً لم يعرفوهم إلا بالاسم والصور، كانت هناك تطورات موازية تضيف طبقة جديدة من التوتر، متمثلة في إقرار تشريع إسرائيلي يضع عقوبة الإعدام شنقاً كحكم افتراضي بحق الفلسطينيين المدانين. بين مشهد الولادة الجديدة ومشهد القانون العقابي، تبدو القضية عالقة بين إنسانية الفقد وتصعيد السياسة.
دموع الفرح.. عودة أطفال غزة الخدج إلى أحضان الأمهات
لم يعرف هؤلاء الأطفال وجوه آبائهم وأمهاتهم، ولم تعرفهم غزة التي غادروها رضعاً في حاضنات الإسعاف تحت أزيز القصف. غير أن الأيام الماضية حملت لحظة استثنائية حين عاد 11 طفلاً، كانوا ضمن مجموعة من الخدّج الذين أُجلوا من وحدة العناية المركزة لحديثي الولادة في مستشفى الشفاء في نوفمبر 2023. كان ذلك المشهد أقرب إلى ولادة ثانية؛ أمهات يجهشن بالبكاء، وآباء يراقبون ملامح أبنائهم للمرة الأولى. الطفلة بيسان، التي نُقلت إلى مصر وهي في حاضنة بعد ولادتها المبكرة، عادت طفلة صغيرة ترتدي الأبيض، تحمل براءة لا تعرف حجم المأساة التي أحاطت بميلادها، حيث وُلدت بعد غارة جوية استهدفت منزل عائلتها، مما أسفر عن مقتل شقيقتها و9 من أفراد أسرتها، واضطر الأطباء لإجراء عملية قيصرية عاجلة لإنقاذها.
السياق التاريخي لانهيار المنظومة الصحية في القطاع
لا يمكن فصل هذا المشهد الإنساني عن السياق العام والخلفية التاريخية للحدث، المتمثلة في التدهور المستمر للمنظومة الصحية في الأراضي الفلسطينية. على مدار سنوات من الحصار والنزاعات المتكررة، عانت المستشفيات من نقص مزمن في الموارد. وتفاقمت الأزمة بشكل غير مسبوق خلال الحرب الأخيرة، حيث تعرضت الوحدات الطبية، ولا سيما أقسام حديثي الولادة، لدمار واسع. وتشير الإحصائيات الموثقة إلى أن 52% من الأدوية الأساسية مفقودة في غزة، مع وجود نقص بنسبة 75% في الإمدادات الطبية، بما في ذلك حليب الأطفال المتخصص وأجهزة دعم التنفس. هذا الانهيار الممنهج جعل من عمليات الإجلاء الطبي، كحالة الأطفال الـ 29 الذين نُقلوا إلى مصر (توفي 7 منهم خلال العلاج)، ضرورة حتمية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من أرواح بريئة.
شبح قانون الإعدام وتعميق معاناة العائلات الفلسطينية
في موازاة هذا المشهد الإنساني، يتصاعد التوتر السياسي والقانوني مع تبني إسرائيل تشريعاً جديداً يجعل عقوبة الإعدام شنقاً الحكم الافتراضي بحق الفلسطينيين المدانين في هجمات مميتة. هذا القانون أثار مخاوف واسعة في الضفة الغربية المحتلة، حيث عبّرت عائلات الأسرى عن خشيتها من أن يتحول إلى أداة تنفيذ سريعة دون ضمانات قانونية كافية. وتزداد هذه المخاوف وتتعمق معاناة العائلات الفلسطينية عند النظر إلى تقارير المنظمات الحقوقية؛ إذ تؤكد منظمة “بتسيلم” الإسرائيلية لحقوق الإنسان أن نسبة الإدانة في المحاكم العسكرية التي تنظر في قضايا الفلسطينيين تصل إلى 96%، وهو رقم يثير أسئلة جوهرية حول معايير العدالة والإجراءات القضائية المتبعة.
التداعيات الإقليمية والدولية للتشريعات الإسرائيلية الجديدة
يحمل هذا التحول التشريعي أهمية كبرى وتأثيراً متوقعاً يتجاوز الحدود المحلية ليمتد إلى الساحتين الإقليمية والدولية. على المستوى الدولي، اعتبر مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان أن هذا التشريع يتعارض بشكل صارخ مع القانون الإنساني الدولي والمواثيق الحقوقية العالمية التي تدعو إلى إلغاء عقوبة الإعدام. إقليمياً، يُتوقع أن يؤدي إقرار مثل هذه القوانين إلى تأجيج حالة الغضب الشعبي وزيادة معدلات الاحتقان، مما يعقد أي جهود مستقبلية للتهدئة أو استئناف مسارات السلام. كما يضع هذا التوجه المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لمدى قدرته على إلزام الأطراف باحترام حقوق الإنسان الأساسية في أوقات النزاع.
مفارقة المشهد الفلسطيني
بين طفل يعود من الحاضنة إلى حضن أمه، وأسير قد يواجه حبل المشنقة تحت مظلة قانون جديد، تتجسد المفارقة القاسية للواقع اليوم. ففي الوقت الذي تحاول فيه بعض الأسر استعادة ما تبقى من حياتها بعد الحرب، تلوح في الأفق تطورات سياسية وقانونية قد تدفع المنطقة إلى مزيد من التعقيد، لتبقى الآمال معلقة بانتهاء هذه الفصول المأساوية المتتالية.


