
تصاعد التوتر بين باكستان وطالبان: غارات قندهار تنذر بمواجهة شاملة
تشهد المنطقة الحدودية تصاعداً خطيراً في حدة التوتر العسكري والسياسي بين باكستان وحكومة طالبان الأفغانية بشكل غير مسبوق، وذلك في أعقاب إعلان إسلام آباد تنفيذ غارات جوية استهدفت ما وصفتها بمواقع عسكرية ومخابئ «إرهابية» في ولاية قندهار جنوبي أفغانستان. وتتهم السلطات الباكستانية حركة طالبان الأفغانية بتوفير ملاذات آمنة لمقاتلي حركة طالبان باكستان (TTP)، الذين يحملون مسؤولية التخطيط وتنفيذ هجمات دامية داخل الأراضي الباكستانية. هذا التصعيد يفتح الباب أمام تساؤلات حول مستقبل الاستقرار الهش في جنوب آسيا.
تفاصيل الضربات الباكستانية في قندهار
أكدت مصادر أمنية وعسكرية في إسلام آباد أن الضربات الجوية دمرت بنى تحتية ومرافق لوجستية ومواقع تخزين تستخدمها جماعات مسلحة لشن هجمات ضد المدنيين وقوات الأمن الباكستانية عبر الحدود. وأفاد سكان محليون في قندهار برؤية طائرات حربية تحلق في سماء المدينة وسماع دوي انفجارات عنيفة. وتكتسب هذه الغارات حساسية بالغة، لا سيما وأن قندهار تُعد المعقل الروحي والسياسي لحركة طالبان، ومقر إقامة زعيمها الأعلى هبة الله أخوند زاده، مما يجعل الاستهداف رسالة ضغط قوية من إسلام آباد.
رواية طالبان وتهديدات الرد
في المقابل، نفت حكومة طالبان بشدة الرواية الباكستانية. وصرح المتحدث باسم الحكومة، ذبيح الله مجاهد، بأن الغارات لم تصب أي أهداف عسكرية، بل استهدفت منشآت مدنية بحتة، من بينها مركز لإعادة تأهيل مدمني المخدرات وحاوية شحن فارغة في منطقة جبلية كان الجنود يستخدمونها للاستراحة. وحذر مجاهد من أن هذه «الاستفزازات العسكرية» لن تمر دون رد، محملاً إسلام آباد مسؤولية العواقب الوخيمة التي قد تترتب على هذا العمل الذي وصفه بالعدواني.
السياق التاريخي: جذور الصراع الحدودي
لفهم طبيعة هذا النزاع، يجب العودة إلى السياق التاريخي المتمثل في «خط ديورند»، وهو الحدود التي رسمها الاستعمار البريطاني عام 1893 بطول يمتد لنحو 2640 كيلومتراً. لم تعترف الحكومات الأفغانية المتعاقبة، بما فيها حكومة طالبان الحالية، بهذا الخط كحدود دولية رسمية، مما جعله بؤرة توتر دائمة. علاوة على ذلك، تعقدت العلاقات بين البلدين منذ سيطرة طالبان على كابول في أغسطس 2021؛ فبينما كانت إسلام آباد تأمل في تأمين حدودها الغربية، شهدت باكستان تصاعداً ملحوظاً في العمليات المسلحة التي تشنها حركة طالبان باكستان انطلاقاً من الأراضي الأفغانية.
التأثير الإقليمي والدولي للأزمة
لا يقتصر تأثير هذا التصعيد على الداخلين الباكستاني والأفغاني، بل يمتد ليشمل الأمن الإقليمي والدولي. إقليمياً، يثير الصراع قلق دول الجوار مثل الصين، التي تخشى على استثماراتها الضخمة في باكستان ضمن «الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني» من خطر تمدد الجماعات المسلحة. دولياً، يضع هذا التوتر حركة طالبان تحت المجهر مجدداً فيما يتعلق بالتزاماتها في «اتفاق الدوحة»، والذي ينص صراحة على عدم السماح باستخدام الأراضي الأفغانية كمنطلق لتهديد أمن الدول الأخرى، وهو ما قد يعرقل أي جهود دولية للاعتراف بحكومة كابول.
تفاقم الأزمة الإنسانية
على الصعيد الإنساني، يدفع المدنيون الثمن الأكبر لهذا الصراع المفتوح. فوفقاً لتقارير حديثة صادرة عن الأمم المتحدة، أسفرت موجة التصعيد الأخيرة التي اندلعت أواخر فبراير الماضي عن مقتل ما لا يقل عن 75 مدنياً أفغانياً. كما تسببت الاشتباكات والقصف المتبادل في نزوح أكثر من 115 ألف شخص داخل أفغانستان، باحثين عن مأوى في ظروف إنسانية قاسية. ومع استمرار تبادل إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، تتزايد المخاوف من انزلاق المنطقة نحو حرب استنزاف تعمق الأزمة الإنسانية وتزيد من هشاشة الاستقرار في المنطقة بأسرها.


