في تصعيد هو الأحدث ضمن سلسلة من التوترات المتنامية، أعلنت باكستان عن شن ضربات جوية باكستانية في أفغانستان استهدفت مواقع لمسلحين داخل الأراضي الأفغانية، مما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 29 شخصاً. جاءت هذه العملية العسكرية، التي شملت غارات جوية وعمليات برية، كرد فعل مباشر على هجوم دامٍ استهدف قوات الأمن الباكستانية في مدينة كراتشي، مما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من عدم الاستقرار على الحدود المضطربة بين البلدين.
وأكد وزير الإعلام الباكستاني، عطاء الله ترار، أن القوات الأمنية نفذت عملية دقيقة استندت إلى معلومات استخباراتية ضد “أوكار الإرهابيين” التابعين لجماعات مثل “جماعة الأحرار” وحركة “طالبان باكستان” (TTP)، التي تتخذ من شرق أفغانستان ملاذاً آمناً لها. وشدد الوزير على أن أمن المواطنين الباكستانيين يمثل أولوية قصوى لا يمكن التهاون فيها، مؤكداً أن إسلام أباد تسعى دائماً للسلام ولكنها لن تتردد في حماية سيادتها.
جذور التوتر على جانبي خط ديورند
تعود جذور الصراع الحالي إلى عقود من انعدام الثقة والاتهامات المتبادلة عبر “خط ديورند”، الحدود التي تفصل بين البلدين والتي لم تعترف بها أفغانستان رسمياً. لطالما اتهمت إسلام أباد كابول بغض الطرف عن، أو حتى دعم، الجماعات المسلحة مثل حركة طالبان باكستان، التي تستخدم الأراضي الأفغانية كقاعدة خلفية لشن هجمات داخل باكستان. ومنذ عودة حركة طالبان الأفغانية إلى السلطة في عام 2021، شهدت باكستان تصاعداً ملحوظاً في الهجمات التي تتبناها حركة طالبان باكستان، على الرغم من أن الأخيرة تنظيم منفصل إدارياً، إلا أنها تشترك مع طالبان الأفغانية في الأيديولوجية والروابط التاريخية.
تداعيات الضربات الجوية الباكستانية في أفغانستان على الاستقرار الإقليمي
من جانبها، أدانت حكومة طالبان في كابول بشدة الغارات الباكستانية، واصفة إياها بأنها “عمل عدواني جبان” وانتهاك صارخ لسيادة أفغانستان. ونفى المتحدث باسم الحكومة، ذبيح الله مجاهد، استخدام الأراضي الأفغانية لمهاجمة أي دولة، مؤكداً أن الضربات أسفرت عن سقوط ضحايا مدنيين أبرياء. وحذرت كابول من أن مثل هذه الأعمال قد تؤدي إلى “عواقب وخيمة” لا يمكن السيطرة عليها، مما يهدد بزعزعة استقرار المنطقة بأكملها.
ويأتي هذا التصعيد ليزيد من تعقيد المشهد الأمني الإقليمي. فالعلاقات بين البلدين، التي شهدت تدهوراً حاداً بالفعل، قد تدخل نفقاً مظلماً يصعب الخروج منه. إن استمرار العمليات العسكرية عبر الحدود لا يهدد فقط بوقوع مواجهات مباشرة بين قوات البلدين، بل يؤثر أيضاً على حركة التجارة والملايين من اللاجئين الأفغان الذين تستضيفهم باكستان. كما يثير هذا التوتر قلق القوى الإقليمية والدولية التي تخشى من تحول المنطقة إلى بؤرة صراع جديدة، مما قد يعرقل الجهود المبذولة لتحقيق سلام دائم في أفغانستان.


