في تصعيد عسكري لافت، أعلن الجيش الباكستاني عن مقتل 26 مسلحاً في ضربات دقيقة استهدفت أوكاراً إرهابية على طول الحدود، مما أثار موجة جديدة من التوتر بين باكستان وأفغانستان. تأتي هذه العملية، التي وصفتها إسلام آباد بأنها “مدروسة”، كرد فعل مباشر على سلسلة من الهجمات الإرهابية التي استهدفت قوات الأمن الباكستانية مؤخراً، مما يعكس سياسة “عدم التسامح” التي تتبناها البلاد تجاه الجماعات المسلحة التي تتخذ من الأراضي الأفغانية منطلقاً لعملياتها.
ووفقاً لوزير الإعلام الباكستاني عطا الله تارار، فإن الضربات استهدفت مخابئ وملاذات آمنة تابعة لجماعة “فتنة الخوارج”، التي تتهمها إسلام آباد بتلقي دعم من الهند. وجاءت هذه العملية بعد يوم واحد من هجوم استهدف موقعاً أمنياً في منطقة حسن خيل بمدينة بيشاور، أسفر عن مقتل 6 من أفراد الشرطة وإصابة 4 آخرين، في هجوم تبنته جماعات مسلحة.
جذور الصراع الحدودي وتصاعد التوتر بين باكستان وأفغانستان
تعود جذور الخلافات بين البلدين إلى عقود مضت، وتتمحور بشكل كبير حول “خط ديورند”، الحدود الدولية التي تم ترسيمها في العهد الاستعماري البريطاني ولا تعترف بها كابول رسمياً. وقد أدى هذا النزاع التاريخي إلى علاقات متقلبة، لكن الوضع تفاقم بشكل ملحوظ بعد عودة حركة طالبان إلى السلطة في أفغانستان عام 2021. كانت باكستان تأمل في أن تساهم حكومة طالبان في كبح جماح حركة طالبان باكستان (TTP)، وهي جماعة مسلحة محظورة تشن هجمات داخل الأراضي الباكستانية، إلا أن إسلام آباد تتهم كابول بالتقاعس عن اتخاذ إجراءات حاسمة ضد هذه الجماعات التي تجد ملاذاً آمناً في أفغانستان.
تداعيات إقليمية لعمليات عسكرية متكررة
لا تقتصر تداعيات هذه الضربات على العلاقات الثنائية فحسب، بل تمتد لتلقي بظلالها على استقرار المنطقة بأكملها. فمن جهة، تواجه باكستان ضغوطاً داخلية متزايدة للرد بقوة على الهجمات الإرهابية التي أودت بحياة العشرات من أفراد الأمن والمدنيين. ومن جهة أخرى، تعتبر حكومة طالبان في أفغانستان هذه العمليات انتهاكاً لسيادتها، مما يضعف موقفها داخلياً ويعرقل مساعيها للحصول على اعتراف دولي. هذا التصعيد يثير قلق القوى الإقليمية والدولية التي تخشى من انزلاق المنطقة إلى دوامة جديدة من العنف، خاصة مع وجود اتهامات باكستانية للهند بدعم بعض الجماعات المسلحة، وهو ما يضيف بعداً جيوسياسياً معقداً للصراع.
ورداً على ذلك، استدعت وزارة الخارجية الباكستانية القائم بالأعمال الأفغاني في إسلام آباد، وسلمته مذكرة احتجاج شديدة اللهجة، مؤكدة على ضرورة تفكيك الملاذات الآمنة للجماعات المسلحة. وفي المقابل، تنفي حركة طالبان الأفغانية هذه الاتهامات باستمرار، وتعتبر أن المشاكل الأمنية في باكستان هي شأن داخلي بحت.


