تصعيد خطير على جانبي الحدود المتنازع عليها
تجددت فجر الأربعاء حدة الاشتباكات الحدودية بين باكستان وأفغانستان، حيث شنت إسلام أباد غارات جوية جديدة داخل الأراضي الأفغانية، مما يمثل تصعيداً إضافياً في نزاع متأجج منذ أشهر. وأفادت حكومة طالبان في كابول بأن الغارات استهدفت ولايات خوست وكونار وبكتيكا شرقي البلاد، مما أسفر عن مقتل 13 شخصاً، بينهم نساء وأطفال، وإصابة 14 مدنياً آخرين، في خطوة أنهت شهراً من الهدوء النسبي بين الجارتين.
في المقابل، أكدت باكستان تنفيذ عمليات استخباراتية دقيقة وموجهة ضد معسكرات ومخابئ تابعة لمسلحين مرتبطين بحركة طالبان باكستان (TTP)، الذين تتهمهم إسلام أباد بتنفيذ هجمات دامية داخل أراضيها. وصرح وزير الإعلام الباكستاني، عطاء الله تارار، بأن الضربات كانت محددة ودمرت أربعة أهداف تشمل مراكز تدريب ومستودعات ذخيرة تابعة لقادة الحركة، مؤكداً مقتل 26 مسلحاً. ونفت إسلام أباد بشدة استهداف المدنيين، معتبرة التقارير الأفغانية “دعاية تهدف إلى تضليل الرأي العام”.
جذور النزاع: ما وراء الاشتباكات الحدودية بين باكستان وأفغانستان
تعود جذور التوتر الحالي إلى عقود من الخلافات التاريخية، التي تتمركز حول “خط ديورند”، وهو الحدود التي رسمها الاستعمار البريطاني عام 1893 ولم تعترف بها أي حكومة أفغانية المتعاقبة. يمتد هذا الخط لمسافة 2670 كيلومتراً، ويقسم مجتمعات البشتون العرقية على جانبيه، مما يجعله مصدراً دائماً للنزاع. ورغم أن باكستان تعتبره حداً دولياً رسمياً، تراه أفغانستان خطاً إدارياً مفروضاً.
وقد تفاقمت الأزمة بشكل كبير بعد عودة طالبان إلى السلطة في كابول عام 2021. فبينما كانت إسلام أباد تأمل في أن يؤدي ذلك إلى تعزيز نفوذها وتحجيم حركة طالبان باكستان، حدث العكس تماماً. إذ تتهم باكستان حركة طالبان الأفغانية بتوفير ملاذات آمنة لمقاتلي TTP، وهي جماعة منفصلة إدارياً ولكنها متحالفة إيديولوجياً مع طالبان الأفغانية. وتنفي كابول هذه الاتهامات باستمرار، مؤكدة أنها لن تسمح باستخدام أراضيها لشن هجمات ضد أي دولة، لكن الهجمات عبر الحدود لم تتوقف.
تداعيات إقليمية ومخاوف على الاستقرار
لا تقتصر تداعيات هذا التصعيد على البلدين فقط، بل تمتد لتهدد استقرار منطقة جنوب آسيا بأكملها. يؤدي إغلاق المعابر الحدودية الرئيسية، مثل تورخام وسبين بولداك (شامان)، إلى شل حركة التجارة التي يعتمد عليها اقتصاد البلدين، خاصة أفغانستان الحبيسة التي تعتمد على الموانئ الباكستانية. كما يتسبب الإغلاق في معاناة إنسانية للآلاف الذين يعبرون الحدود يومياً للعمل أو العلاج.
على الصعيد الإقليمي، يثير النزاع قلق القوى الكبرى مثل الصين، التي استثمرت بكثافة في باكستان عبر الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني (CPEC) وتسعى إلى تحقيق الاستقرار في أفغانستان لحماية مصالحها. وقد حاولت بكين مراراً التوسط بين الطرفين، لكن جهودها لم تنجح في التوصل إلى حل دائم. إن استمرار القتال يهدد بتحويل المنطقة مرة أخرى إلى بؤرة لعدم الاستقرار، مما قد يشجع جماعات متطرفة أخرى على استغلال الفوضى، وهو ما يمثل مصدر قلق دولي كبير.


