في خطوة تمثل زلزالاً سياسياً ينهي حقبة استمرت 16 عاماً من الهيمنة، أعلن رئيس الوزراء المجري المنتهية ولايته فيكتور أوربان تخليه عن مقعده في البرلمان الوطني. يأتي هذا القرار الصادم في أعقاب هزيمة انتخابية ساحقة لحزبه “فيدس”، ليرسم ملامح فصل جديد في تاريخ المجر الحديث، حيث تعد خطوة أوربان يغادر البرلمان المجري نقطة تحول رمزية تفتح الباب أمام مشهد سياسي متغير بالكامل.
جاء الإعلان عبر مقطع فيديو نشره أوربان على حسابه الرسمي في فيسبوك، عقب اجتماع عاصف لقيادة حزب فيدس لتقييم نتائج الانتخابات الكارثية التي جرت في 12 أبريل. وأوضح أوربان أن دوره الآن ليس في مقاعد البرلمان، بل في إعادة بناء وتنظيم ما أسماه “المعسكر الوطني”، مؤكداً أنه سيعيد التفويض البرلماني الذي حصل عليه كمرشح أول على قائمة حزبه.
نهاية حقبة “الديمقراطية غير الليبرالية”
يمثل رحيل أوربان عن المشهد التشريعي، الذي كان جزءاً منه منذ عام 1990، نهاية لحقبة سياسية فريدة أثارت جدلاً واسعاً في أوروبا. منذ عودته إلى السلطة في عام 2010، قاد أوربان ما وصفه بـ”الديمقراطية غير الليبرالية”، معتمداً على خطاب قومي شعبوي وسياسات محافظة صارمة. تركزت سياساته على مواجهة الهجرة، وتعزيز القيم المسيحية التقليدية، وتأكيد السيادة الوطنية في وجه ما اعتبره تدخلاً من مؤسسات الاتحاد الأوروبي. خلال فترة حكمه، أجرى تعديلات دستورية واسعة عززت من سلطاته وأحكمت سيطرة حزبه على الإعلام والقضاء والمؤسسات الحكومية، وهي خطوات أدت إلى خلافات متكررة مع بروكسل حول سيادة القانون وحرية الإعلام، ونتج عنها تجميد نحو 17 مليار يورو من الأموال الأوروبية المخصصة للمجر.
تداعيات الهزيمة: كيف سيؤثر مغادرة أوربان للبرلمان المجري؟
تُعد الهزيمة المدوية التي مُني بها حزب فيدس، حيث انخفضت مقاعده من 135 إلى 52 مقعداً فقط من أصل 199، بمثابة رفض شعبي واضح لسياساته. في المقابل، حقق حزب “تيسا” بقيادة بيتر ماجيار، وهو شخصية سياسية صاعدة، فوزاً كاسحاً بحصوله على 141 مقعداً، مما يمنحه أغلبية دستورية تتيح له تمرير إصلاحات جذرية وتعديل الدستور. يُتوقع أن يؤدي هذا التحول إلى تغيير جذري في سياسات المجر الداخلية والخارجية، خاصة في علاقتها مع الاتحاد الأوروبي، حيث من المرجح أن تسعى الحكومة الجديدة إلى إصلاح العلاقات المتوترة واستعادة الأموال المجمدة. وعلى الصعيد الإقليمي، قد تفقد القوى اليمينية والشعبوية في أوروبا حليفاً قوياً ومؤثراً في بودابست.
ورغم انسحابه من مقعده البرلماني، أكد أوربان (62 عاماً) تمسكه برئاسة حزب فيدس، معلناً نيته الترشح لإعادة انتخابه زعيماً للحزب في المؤتمر الداخلي المقرر في يونيو القادم. وسيتولى جيرجيلي جولياس، مدير مكتبه السابق، قيادة الكتلة البرلمانية للحزب في دورها الجديد كقوة معارضة رئيسية. من جانبه، انتقد بيتر ماجيار، رئيس الوزراء المنتظر، قرار أوربان، معتبراً أنه يتهرب من تحمل مسؤولية الفشل الانتخابي، مؤكداً أن المجر تستعد لمرحلة جديدة من الشفافية والديمقراطية.


