تحديات تشكيل الحكومة العراقية الجديدة في ظل التجاذبات
تواجه عملية تشكيل الحكومة العراقية الجديدة برئاسة علي الزيدي ثلاث عقد سياسية رئيسية تهدد بإجهاض الجهود المبذولة لإنهاء الفراغ السياسي. تتمثل هذه العقد في تقاطعات خارجية تتصل بصراع النفوذ بين واشنطن وطهران، وعقدة داخلية ترتبط بشراسة صراع الحصص والنفوذ بين الكتل السياسية، إضافة إلى العقدة الأبرز المتمثلة في مستقبل الفصائل المسلحة وقرار حصر السلاح بيد الدولة.
الجذور التاريخية لنظام المحاصصة وتأثيره السياسي
لفهم المشهد السياسي المعقد اليوم، يجب العودة إلى السياق التاريخي الذي يحكم العملية السياسية في العراق منذ عام 2003. فقد تأسس النظام السياسي على مبدأ المحاصصة الطائفية والحزبية، وهو العرف الذي جعل من ولادة أي حكومة عملية شاقة وطويلة. هذا النظام أدى إلى ترسيخ ولاءات فرعية وجعل التوافق الشامل بين المكونات شرطاً أساسياً لتمرير أي كابينة وزارية، وهو ما يفسر التعقيدات الحالية التي تسبق إعلان التشكيلة الحكومية وصعوبة اتخاذ قرارات حاسمة بعيداً عن إرضاء جميع الأطراف.
أزمة السلاح المنفلت وموقف المرجعية الدينية
يُعد قرار حصر سلاح الفصائل، والذي أوعز به مرجع عراقي، سبباً جوهرياً في عدم حسم التشكيلة حتى الآن. وتنتظر الأوساط السياسية قرار لجنة الإطار التنسيقي الحاكم المتعلق بهذا الملف. تصر بعض الفصائل على رفض نزع أسلحتها، وهو ما ألمح إليه المرجع بأن ذلك سيكون السبب المباشر لانسحاب الزيدي. وقد صنفت لجنة الإطار الفصائل إلى أربع فئات: فصائل ضمن الحشد الشعبي لم تشارك في الصراع الإقليمي ويجب دمجها والتخلي عن مسمياتها، وفصائل شاركت إلى جانب إيران وترفض تسليم سلاحها لجهاز مكافحة الإرهاب، وفصائل خارج الحشد ترفض التسليم، وأخيراً الأجنحة المسلحة للأطراف السياسية المشاركة في الحكومة والتي يجب إنهاء تواجدها المسلح.
صراع الحقائب السيادية داخل الإطار التنسيقي
إلى جانب أزمة السلاح، تشكل الخلافات داخل قوى الإطار التنسيقي حول تقاسم الحقائب الوزارية عقبة كبرى. يمتلك الإطار نحو 12 وزارة قد ترتفع إلى 13، منها 4 سيادية. وتتنافس الكتل الكبرى على الحقائب الأكثر نفوذاً، خصوصاً النفط والداخلية. يُفترض أن يحصل ائتلاف الإعمار والتنمية بزعامة محمد شياع السوداني وائتلاف نوري المالكي على 3 وزارات لكل منهما، مقابل وزارتين لتيار الحكمة وعصائب أهل الحق ومنظمة بدر. لكن فريق السوداني يرفض هذه الصيغة باعتباره الكتلة الأكبر، ويطالب بوزارة الداخلية. ويدفع جناح المالكي بترشيح ياسر صخيل للداخلية، وهو ما يرفضه السوداني، بينما تُطرح خيارات أخرى كأن يختار الزيدي مرشحه بنفسه. كما يمتد الخلاف لرفض إعادة تدوير شخصيات من الحرس القديم مثل أحمد الأسدي وفالح الفياض وطيف سامي.
الانقسامات داخل البيت السني وموقف التيار الصدري
في البيت السني، تبدو الصورة أكثر تعقيداً بعد انقسام المجلس السياسي الوطني إثر ابتعاد مثنى السامرائي عن تفاهمات محمد الحلبوسي وخميس الخنجر. وتتوقع القوى السنية الحصول على ست وزارات أبرزها الدفاع، وسط ترجيحات بحصول الحلبوسي على ثلاث منها. من جهة أخرى، منح زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، الزيدي رضا مشروطاً لمدة 90 يوماً مقابل إبعاد الفصائل المسلحة وفتح ملفات الفساد كـ(سرقة القرن). وتتحدث مصادر عن فيتو أمريكي يمنع 6 فصائل من المشاركة في الحكومة، مما يعقد موقف الجماعات القريبة من إيران التي تمتلك نحو 100 مقعد برلماني.
التداعيات المحلية والإقليمية لتعثر الولادة الحكومية
إن تعثر تشكيل الحكومة يحمل تداعيات بالغة الأهمية. محلياً، يؤدي التأخير إلى تعطيل إقرار الموازنات وتوقف المشاريع الخدمية والتنموية، مما يزيد من احتقان الشارع العراقي الذي يطالب بتحسين الخدمات الأساسية. إقليمياً ودولياً، يمثل العراق نقطة توازن حساسة في الشرق الأوسط؛ فأي استقرار سياسي ينعكس إيجاباً على أمن المنطقة وأسواق الطاقة العالمية، بينما الفراغ قد يحوله إلى ساحة تصفية حسابات. وفي حال اعتذر الزيدي عن التكليف، سيعود العراق إلى نقطة الصفر للبحث عن مرشح بديل، مما يدخل البلاد في فراغ دستوري خطير بعد أزمة امتدت لأشهر طويلة.


