كشف تقرير حديث لصحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية عن تحول جذري في هيكل السلطة في إيران بعد تعيين مجتبى خامنئي مرشداً جديداً للبلاد، خلفاً لوالده. ويسلط التقرير الضوء على أن القرارات الحاسمة المتعلقة بالأمن والحرب والدبلوماسية لم تعد في يد المرشد الأعلى بشكل مباشر، بل أصبحت تدار فعلياً من قبل نخبة من قادة الحرس الثوري الإيراني، مما يمثل مرحلة جديدة وغير مسبوقة في تاريخ الجمهورية الإسلامية.
هيكل سلطة جديد في طهران
وفقاً للصحيفة، التي استندت في تقريرها إلى مقابلات مع مسؤولين إيرانيين حاليين وسابقين وشخصيات مطلعة على كواليس النظام، فإن إيران دخلت عهداً جديداً يتراجع فيه الدور التنفيذي المباشر للمرشد. فبينما كان والده، علي خامنئي، يمسك بزمام السلطة المطلقة في قرارات الحرب والسلام والمفاوضات الدولية، يبدو أن دور مجتبى أقرب إلى دور “رئيس مجلس إدارة”، حيث يتولى جنرالات الحرس الثوري المخضرمون دور أعضاء المجلس الذين يصنعون القرار بشكل جماعي. ونقلت الصحيفة عن السياسي عبد الرضا داوري، الذي شغل منصب كبير مستشاري الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد، قوله إن “مجتبى يدير البلاد كما لو كان رئيس مجلس إدارة”، معتمداً بشكل كبير على توجيهات ونصائح قادة الحرس.
يأتي هذا التحول في سياق تاريخي مهم، فمنذ الثورة الإسلامية عام 1979، كان منصب المرشد الأعلى هو السلطة النهائية في جميع شؤون الدولة. لكن الوضع الحالي، الذي فرضته الظروف الصحية للمرشد الجديد والمخاوف الأمنية المحيطة به، أدى إلى تفويض غير معلن للصلاحيات إلى المؤسسة العسكرية الأكثر نفوذاً في البلاد، مما يثير تساؤلات حول مستقبل التوازن بين المؤسسة الدينية والعسكرية في إيران وتأثير ذلك على سياساتها الداخلية والخارجية.
مجتبى خامنئي.. المرشد الغامض في الظل
يوصف مجتبى خامنئي بأنه “شخصية غامضة”، حيث لم يظهر علناً أو يُسمع صوته منذ تعيينه في مارس الماضي. هذا الغياب يعود بشكل كبير إلى الإصابات البالغة التي لحقت به جراء الغارة الجوية الأمريكية والإسرائيلية التي استهدفت مقر والده في 28 فبراير، وأسفرت عن مقتل المرشد السابق وزوجته وابنه. ووفقاً لمصادر مطلعة، فإن مجتبى يعاني من حروق شديدة في الوجه والشفتين، مما يصعّب عليه الحديث، كما خضع لثلاث عمليات جراحية في ساقه وينتظر تركيب طرف صناعي. وأشارت الصحيفة إلى أن الرئيس الإيراني الحالي مسعود بزشكيان، وهو جراح قلب ووزير صحة سابق، يشارك شخصياً في متابعة حالته الصحية، في دلالة على الأهمية القصوى التي يوليها النظام لسلامة المرشد. هذه الظروف الصحية المعقدة، بالإضافة إلى التهديدات الأمنية المستمرة، تجعل الوصول إليه محدوداً للغاية، وتتم إدارة شؤون الدولة عبر رسائل مكتوبة بخط اليد تُنقل عبر سلسلة من الوسطاء الموثوقين لضمان سريتها وأمنها.
تداعيات إقليمية ودولية
إن صعود الحرس الثوري كصانع قرار فعلي في إيران يحمل في طياته تداعيات كبيرة على الصعيدين الإقليمي والدولي. يرى مراقبون أن هذا التطور قد يؤدي إلى سياسات أكثر تشدداً في مواجهة الخصوم، لا سيما الولايات المتحدة وإسرائيل. وقد علّق الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب على الوضع قائلاً إن الحملة العسكرية المشتركة “جعلت النظام في حالة فوضى”، وإن “القيادة في إيران باتت غير واضحة”. وأضاف أن إيران “لم تعد المتنمر في الشرق الأوسط” بعد أن فقدت عامل الردع. هذا الفراغ النسبي في قمة هرم السلطة التقليدية قد يفتح الباب أمام سيناريوهات متعددة، تتراوح بين زيادة التصلب في المواقف الإيرانية أو حدوث انقسامات داخلية حول التوجهات المستقبلية للبلاد، خاصة فيما يتعلق بالملف النووي والصراعات الإقليمية.


