كشفت صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية في تقرير حديث لها عن تفاصيل مثيرة تتعلق بكيفية استغلال طهران لفترة وقف إطلاق النار المستمر منذ نحو شهر. ووفقاً للتقرير، سعت طهران بشكل حثيث إلى تعزيز القدرات الصاروخية الإيرانية من خلال إعادة فتح عشرات المواقع العسكرية التي تعرضت سابقاً للقصف الأمريكي. ولم تكتفِ بذلك، بل قامت بنقل منصات إطلاق صواريخ متنقلة وتعديل تكتيكاتها العسكرية بشكل جذري، وذلك في خطوة استباقية استعداداً لأي جولة جديدة من المواجهات المحتملة.
جذور وتطور القدرات الصاروخية الإيرانية في العقود الأخيرة
لفهم أبعاد هذه التحركات، يجب النظر إلى السياق العام والخلفية التاريخية التي شكلت العقيدة العسكرية لطهران. منذ انتهاء الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي، أدركت القيادة الإيرانية حاجتها الماسة لردع التهديدات الخارجية في ظل تقادم قواتها الجوية. ونتيجة لذلك، استثمرت طهران موارد هائلة في تطوير القدرات الصاروخية الإيرانية، معتمدة على بناء شبكة معقدة من القواعد تحت الأرض، والتي تُعرف إعلامياً بـ “مدن الصواريخ”. هذه الاستراتيجية تهدف بالأساس إلى حماية الترسانة الباليستية من أي ضربات استباقية، وضمان القدرة على توجيه ضربات انتقامية حتى في أسوأ السيناريوهات العسكرية.
تحصينات الغرانيت وتحديات القصف الجوي الأمريكي
في هذا السياق، نقلت الصحيفة عن مسؤول عسكري أمريكي تأكيده أن إيران قامت بتخزين أعداد كبيرة من الصواريخ الباليستية داخل كهوف عميقة ومنشآت عسكرية محفورة بدقة في جبال من الغرانيت الصلب. هذه الطبيعة الجيولوجية القاسية تجعل من عملية تدمير هذه المنشآت بواسطة الطائرات والقاذفات الأمريكية أمراً بالغ الصعوبة، بل وشبه مستحيل في بعض الحالات. وبسبب هذه التعقيدات، ركزت الضربات الأمريكية السابقة على استهداف وتدمير مداخل تلك المنشآت لشل حركتها. إلا أن التقرير أشار إلى أن القوات الإيرانية أظهرت مرونة عالية، حيث تمكنت لاحقاً من إزالة الأنقاض وإعادة فتح عدد كبير من هذه المواقع الاستراتيجية لمواصلة عملياتها.
التعاون العسكري وتطوير منظومات الدفاع الجوي
إلى جانب حماية الصواريخ، أشارت الصحيفة إلى تطور لافت في تكتيكات الدفاع الجوي. فقد عكف القادة الإيرانيون، وسط ترجيحات بوجود مساعدة تقنية واستشارية روسية، على دراسة وتحليل أنماط تحليق المقاتلات والقاذفات الأمريكية بدقة متناهية. هذا التعاون العسكري يعكس تنامي العلاقات بين طهران وموسكو في السنوات الأخيرة، والتي شملت تبادلاً للخبرات والتقنيات. ولفت المسؤول العسكري الأمريكي إلى أن هذه الجهود أثمرت عن تحسينات ملموسة في الدفاعات الجوية، مدعياً أن إيران تمكنت من إسقاط مقاتلة أمريكية من طراز “إف-15 إي” خلال الشهر الماضي، بالإضافة إلى تعريض مقاتلة شبحية متطورة من طراز “إف-35” لإصابات مباشرة بنيران أرضية، وهو ما يمثل تحولاً نوعياً في مسار الاشتباكات.
التداعيات الاستراتيجية على الأمن الإقليمي والدولي
تحمل هذه التطورات أهمية كبرى وتأثيرات واسعة النطاق على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. فعلى الصعيد الإقليمي، تثير هذه التحركات قلقاً متزايداً لدى الدول المجاورة وحلفاء واشنطن في الشرق الأوسط، حيث يُنظر إلى تنامي الترسانة العسكرية الإيرانية كتهديد مباشر لتوازن القوى واستقرار الملاحة وأمن الطاقة العالمي. أما على الصعيد الدولي، فإن قدرة طهران على التكيف والخروج من جولات الصراع المتتالية بصلابة أكبر، رغم تعرضها لقصف مكثف وفقدان عدد من كبار قادتها العسكريين، يفرض تحديات جديدة أمام صناع القرار في واشنطن. هذا الواقع المعقد قد يدفع الإدارة الأمريكية وحلفاءها إلى إعادة تقييم استراتيجيات الردع المتبعة، والبحث عن آليات جديدة للتعامل مع التهديدات المتصاعدة في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية.


